رأي

هل تصلح الفيدرالية أو اللامركزية ما خرّبته الحرب في سوريا؟

حسام ميرو

يعيش السوريون اليوم في دولة منهكة، تحكمها سلطة أمر واقع، لكنها ليست سلطة الأمر الواقع الوحيدة، لكنها تمثّل الدولة، الدولة ذاتها التي تتقاسم  ترابها الوطني قوى خارجية: أمريكا، روسيا، تركيا، إسرائيل، أما اقتصادها فيستمر كاقتصاد حرب، على غرار السنوات الماضية، محكوماً بمافيات تغتني من حالة الفوضى، وتحالف شخصيات من السلطة الجديدة ورجالات نظام بشار الأسد، في الوقت الذي أصبحت فيه قضية نظام الحكم: مركزي، لامركزي، فيدرالي، جزءاً من السجال العام، وأشبه بالأيديولوجيا، خصوصاً بعد المجازر المروّعة التي ارتكبتها قوات مشتركة من وزارة الدفاع والأمن العام وأفراد من العشائر في الساحل والسويداء.

قضت الحرب على معظم البنى التحتية في البلاد، وحدث شلل غير مسبوق في الاقتصاد الرسمي، وتهاوت قيمة العملة الوطنية، وانهارت آفاق المستقبل للمواطن العادي، مع وصول ما نسبته حوالي 90% من السكان إلى خطّ الفقر، وكانت تقديرات البنك الدولي (2016) قد أشارت إلى خسائر إجمالية بين 266 مليار دولار إلى 800 مليار دولار، وأشارات تقارير أخرى إلى أن سوريا بحاجة إلى 50 عاماً كي تعود اقتصادياً وعمرانياً إلى ما كانت عليه قبل عام 2011.

الأرقام التي ترصد تحوّلات البنى والمؤسسات السورية، مثل البيروقراطية، والتعليم، والخدمات، والصحة، والأمن، والاقتصاد، والمعيشة، والجيش، كلها تصب في خانة واحدة: مأساة وطنية وإنسانية غير مسبوقة في البلاد، وهذه الأرقام لا تتحدّث عن معاناة مجرّدة، وإنما تمنحنا أيضاً مدخلاً لفهم التحوّلات الطبقية التي جرت خلال سنوات الحرب، ولا تزال سارية المفعول، بنى خلاللها أمراء الحرب ثروات طائلة من تجارة السلاح والمخدرات والتعفيش وتجارة الخردة والإتاوات والإتجار بالبشر وشبكات الدعارة وتجارة المواد المخصّصة من قبل المؤسسات الدولية للإغاثة.

نحن نفهم في سياق التحليل السياسي والاقتصادي أن اختيار نظام الحكم مسألة لا تعنى فقط بتقاسم النفوذ أو الثروة، وإنما ينبغي أن ينعكس نظام الحكم على الاقتصاد والمعيشة والازدهار، وبالتالي، فإننا نفهم أيضاً في السياق نفسه أن دعاة نظام حكم ما، يعتقدون أنه الأنسب لتحقيق غايات النمو والتنمية، أو أنهم باحثون عن حصّتهم من الثروة، وليس عن تحقيق مصالح تنموية تنعكس على حياة مجمل السكان.

ما معنى الفدرالية أو اللامركزية في هذا السياق؟ هل تعني توزيعًا شرعيًا للمرافق والإيرادات؟ أم تعبّر عن انهيار الدولة، واستبدالها بنداءات مناطقية تتنافس على ما تبقى من ثروات؟ فمناطق الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، على سبيل المثال، تطبق اللامركزية، لكن هل كان ذلك تقدماً ذاتيًا، أم هو مرتبط بتمويلات دولية وأمريكية؟ وفي مناطق النظام، فإن المركزية الفعلية باتت وهمًا، لأن من يحكم هو قادة فصائل سابقين بثياب رجال دولة، وفي السويداء التي لا تزال تعاني من الحصار، هناك نزعة لدى البعض للانفصال بعد الممجزرة التي ارتكبت بحق أبناء المحفظة في مطلع يوليو/ تموز الماضي، ولا يزال من غير المعلوم كيف سترتّب الإدارة في المحافظة.

هل المشكلة فقط في اختيار نظام الحكم؟ أم أن نظام الحكم هو مجرد شكل يعكس في جوهره القوى التي تمتلك وسائل الإنتاج والثروة؟

يعتقد دعاة الفيدرالية واللامركزية (وهم أكثر من فئة) أن الدولة المركزية هي الشيطان الأكبر، وإذا افترضنا أن هذا صحيح، ومضينا في الاعتقاد إلى نهايته، فلا بد أن نسأل: هل ستكون اللامركزية أو الفيدرالية مدخلاً للخروج من اقتصاد الحرب وبناء نظام حكم ديمقراطي، أم أن الأمر لن يتعدى كونه تسوية بين سلطات الأمر الواقع، من شأنها أن تكرّس قادة كل سلطة كمالكين جدد لمفاتيح الاقتصاد والثروة في مناطقهم؟

إن الخروج من اقتصاد الحرب إلى الاقتصاد الطبيعي مرهون بتوسيع شبكة العلاقات داخل دائرة الإنتاج الوطنية الكبرى، والتي تعتمد على إمكانات التبادل (المواد الأولية والكفاءات والأموال والسلع) بين المحافظات، هذا التبادل الذي وصل إلى أسوأ مستوى له في تاريخ سوريا بعد خروج الانتداب الفرنسي، مع التراجع الكارثي للقطاع الصناعي السوري في حلب ودمشق.

إن ما خسرته سوريا خلال الحرب ليس فقط  عمرانها واقتصادها ونسيجها الوطني وخبراتها العلمية، لكنها فقدت أيضاً ممكنات وإمكانات الإنتاج، أي أنها فقدت أسباب وجودها الاقتصادي، وقطعت مع مستوى التراكم السابق في قطاعات صناعية عديدة، ومن الناحية الفعلية، فإن ما تتزاحم عليه سلطات الأمر الواقع هو ما تبقى من فتات الثروات الداخلية.

المداخل الحالية للترويج لنظام حكم معين، لا ينبغي التعامل معها بوصفها حلولاً وطنية، ليس لأنها بحدّ ذاتها صالحة أو غير صالحة، بل لأنها تنطلق من أسس وهواجس قومية وطائفية وأمنية، وهي هواجس لا يمكن نكرانها ولا حتى التنكّر لأهميتها، لكن الاعتراف بهذه الهواجس شيء واعتبارها حلولاً سحرية شيء آخر.

إن نظام الحكم أكان مركزياً أو لا مركزياً أو فيدرالياً هو أداة محتملة، لكن من دون ربطها بالاقتصاد ومعيشة السكان، فلن يكون لها أي معنى تنموي، ويمكن لأي من هذه الأشكال أن يكون أداة تسلطية، تستبدل به فئة بفئة أخرى، على حساب المواطن العادي، وعلى حساب عودة سوريا كفاعل إقليمي اقتصادياً وسياسياً، أي إبقائها كدولة هشة إلى أمد غير معروف، بغض النظر عن نظام الحكم فيها.  

.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق