رأي

افتتاحية العدد الثالث من “حدْس”…السوريون في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

يصعب الجزم بوجود موقف سوري موحد تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في صباح اليوم الأخير من الشهر الماضي (السبت 28 مارس/ فبراير)، فالانقسام السوري حول كل شيء تقريباً في الداخل، صعب أن يتحوّل إلى موقف موحّد من أطراف الحرب، خصوصاً أن ثلاثي الحرب الحالية كان منخرطاًَ بشكل فاعل في مجريات الحرب السورية، مع استمرار الدورين الأمريكي والإسرائيلي بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث كان لكليهما دورٌ أساسي في توقيع قرار إنهاء حقبة بشار الأسد، كنتيجة من نتائج تداعيات ما بعد “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. 

اتخذت إسرائيل قرار الانتقال من حالة الردع المتبادل مع إيران، التي سادت لزمن طويل بينهما، إلى حالة المواجهة المباشرة، خصوصاً بعد إضعاف “حماس” و”حزب الله”، واغتيال كبار القادة في التنظيمين، لكن كان عليها انتظار مجيء دونالد ترامب إلى الحكم في واشنطن، نظراً لانعدام رغبة الرئيس الديمقراطي الأسبق جو بايدن في تصعيد الأمور مع طهران إلى حرب مباشرة، فقد دفع الديمقراطيون سابقاً إلى توقيع اتفاق مع إيران حول ملفّها النووي، في ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، وانسحب منه الرئيس ترامب في ولايته الأولى. 

وجد بنيامين نتنياهو نفسه بعد السابع من أكتوبرمن أكتوبر بين ضغط داخلي يتهمه بالتقصير الأمني، وملفات فساد تطارده، وبين فرصة تاريخية لإعادة صياغة المشهد الإقليمي. فبالنسبة له، لا تتعلق المسألة فقط بتقويض أذرع إيران في غزة ولبنان ودمشق، بل بتغيير قواعد اللعبة نفسها، أي ضرب المشروع النووي الإيراني، وإضعاف بنية النظام، وفرض معادلة ردع ،تُخرج إيران من معادلات النفوذ المباشر في المشرق، وفي الحسابات الإسرائيلية، فإن أي سيناريو يفضي إلى تقليص الدور الإيراني – سواء عبر تغيير النظام أو إنهاكه أو دفعه إلى انكفاء طويل – هو مكسب استراتيجي صافٍ.

غير أن اختزال الحرب في بعدها الأمني المباشر يُغفل طبقة أعمق منها. فالمواجهة الراهنة تجري في سياق إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وممرات التجارة الكبرى. في السنوات الأخيرة، سعت واشنطن إلى بناء مسارات بديلة تقلّص الاعتماد على الصين، وتعيد توزيع مراكز التصنيع والنقل. ضمن هذا السياق، برزت الهند بوصفها مرشحاً رئيسياً لدور “مصنع موازٍ” للصين. وليس تفصيلاً عابراً أن يتعزز موقع ميناء حيفا في مشاريع الربط التجاري بين الهند وأوروبا، ولا أن يزور ناريندارا مودي، رئيس الوزراء الهندي، إسرائيل قبيل اندلاع الحرب بأيام، في لحظة كانت فيها التحالفات الاقتصادية والأمنية تتبلور بوضوح أكبر.

من هذه الزاوية، تصبح الحرب جزءاً من تنافس عالمي أوسع. فالصين، التي باتت التحدي الأول للمكانة الأمريكية، تعتمد في جزء معتبر من أمنها الطاقوي على نفط الخليج وإيران، ويُقدّر أن نحو 14% من وارداتها النفطية تأتي من إيران. وبالتالي، فإن إضعاف طهران، أو تغيير بنيتها السياسية بما يقرّبها من الفلك الغربي، لا يؤثر فقط في توازنات الشرق الأوسط، بل يطال أيضاً حسابات بكين الاستراتيجية، ويعيد رسم خرائط النفوذ في غرب آسيا.

أمام هذا المشهد المركّب، يبرز السؤال: هل السوريون في موقع يسمح لهم بالانحياز الرومانسي إلى أحد طرفي الصراع؟ وما المكاسب الفعلية التي يمكن أن يجنوها من انتصار هذا الطرف أو ذاك؟

هل سينعكس انتصار إسرائيل إيجاباً على سوريا؟ الإجابة تقتضي النظر إلى الوقائع لا الأمنيات، فإسرائيل، التي وسّعت نطاق سيطرتها الأمنية في الجنوب السوري بعد سقوط النظام، وفرضت واقعاً ميدانياً جديداً عبر مناطق منزوعة السلاح وتوغلات محدودة، لم تُظهر حتى الآن تصوراً يدعم قيام دولة سورية قوية وموحّدة. بل إن منطق الأمن الإسرائيلي يقوم تاريخياً على تفكيك مصادر التهديد، لا على بناء كيانات إقليمية صلبة.

هنا تحديداً تبدو مسألة “الاقتتال السني–السني” أكثر من مجرد فرضية نظرية، ففي حال أُضعفت إيران وانكفأت نهائياً، ستنشأ فجوة في توازن القوى داخل المشرق، وقد تتحول هذه الفجوة ق إلى تنافس بين قوى سنية إقليمية على ملء الفراغ، وفي مقدمتها تركيا وبعض الدول العربية، وفي ظل هشاشة عموم المشرق، وسوريا خصوصاً، قد يكون مقدمة لحروب جديدة، وإعادة بناء الاصطفافات، العشائرية والمذهبية. 

سوريا اليوم دولة هشّة، منهكة اقتصادياً، يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر، وتعتمد على ترتيبات خارجية لإدارة شؤونها الأساسية. وفي بيئة دولية تعود فيها الحروب إلى الواجهة، وتتراجع فيها قواعد الضبط الجماعي، فإن أي تصعيد إقليمي سيعني تأجيل معالجة الأزمات الداخلية، وربما تعميقها.

من الناحية الاستراتيجية البحتة، لا يبدو أن استقرار سوريا – أو المنطقة – يمكن أن يتحقق في ظل هيمنة منفردة لقوة واحدة، أكانت إسرائيل أو إيران أو حتى تركيا. فالهيمنة الأحادية تولّد مقاومات مضادة، وتُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، ووحده نظام إقليمي قائم على توازن معقول بين القوى الأساسية، تشارك فيه الدول العربية الفاعلة، إيمكن أن يخلق بيئة مستقرة نسبياً تسمح بإعادة بناء الدول المنهكة.

أما الرهان على أن الولايات المتحدة أو إسرائيل ستنتجان نظاماً ديمقراطياً في إيران يخدم شعوب المنطقة، فهو رهان يتجاهل دروس التاريخ. فقد أثبتت السياسات الأمريكية مراراً أن معيارها الأول هو المصلحة الاستراتيجية، لا نشر الديمقراطية. وتجربة العراق بعد 2003 مثال صارخ على الفجوة بين الشعارات والنتائج. 

الدرس الأهم للسوريين ليس في تحديد من يستحق الانتصار، بل في إدراك أن الدولة الوطنية لا تُبنى بالوكالة، وأن بناء نظام سياسي ديمقراطي في إيران – أو في سوريا – لن يكون نتاج تدخل خارجي لإنهاء النظام، فلم يحدث في التاريخ المعاصر أن أفضت التدخلات الخارجية إلى ولادة نظام وطني ديمقراطي، بل إلى استنزاف مقدرات الدول، عبر نخب جديدة تابعة، وأوضاع أمنية غير مستقرة. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق