سياسيون: الحراك المطلبي والسياسي ضروريان لمنع عودة الاستبداد والفساد في سوريا

عمر المختار ونوّس
شهدت سوريا ما بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الثاني 2024، موجات متفرقة من الاحتجاجات والوقفات المطلبية، بدءاً من المطالبة بالكشف عن مصير المغيبين والمختفين قسرياً، مروراً على الاحتجاجات العمالية التي عمّت معظم المدن السورية من دمشق إلى حلب مروراً بحمص واللاذقية وطرطوس، والتي توقفت نتيجة المجازر التي حدثت في الساحل ومن ثم جرمانا وصحنايا والسويداء، وتلتها اعتصامات في ساحة المرجة وأمام البرلمان بدمشق دانت المجازر وأكدت على أن “دم السوري على السوري حرام”، قوبلت هذه الاعتصامات بقمع شديد في دمشق وطرطوس من قبل مؤيدي سلطة الأمر الواقع وبمساعدة وتهاون منها.
وعلى الرغم من توقف الاحتجاجات بشكل مؤقت ولفترة محدودة، إلاّ أنها بدأت بالعودة تدريجياً في عدة مدن بدءاً من السَلمية وحمص وحماه وصولاً إلى دمشق، التي شهدت مؤخراً وقفتين مهمتين، كانت الأولى في منطقة باب توما، احتجاجاً على القرار الصادر عن محافظة دمشق بحصر بيع الكحول في “المناطق المسيحية”، ومنع تقديمه في الأماكن العامة من مطاعم وملاهٍ، الأمر الذي رأى فيه المحتجون أن القرار يعزز الانقسام الديني والطائفي في البلاد، وكانت الوقفة الثانية بعنوان “اعتصام قانون وكرامة” بالتزامن مع الذكرى الثمانين للاستقلال، وجرت في ساحة الشهيد يوسف العظمة في دمشق.
توجهت “حدْس” إلى عدد من السياسيين لمعرفة رأيهم في عموم الحركة المطلبية السورية الراهنة، وعلاقة السياسي والمدني فيها، وأهميتها لعودة انخراط المواطنين في الشأن العام، وبهذا الصدد رأى د. راتب شعبو، وهو طبيب وكاتب ومعتقل سابق، أن هذا الحرك إيجابي، حتى لو كان مطلبياً يتعلق بالشؤون المعيشية والخدمية، وقال: “أرى أن الحراك المطلبي باب مهم لانخراط الناس في التفكير في شؤونها، وهو مسار طويل، يحتاج إلى صبر ومثابرة، ولكنه المسار الذي يعي من خلاله الجمهور ذاته، ويتحول فيه إلى قوة فاعلة تحدّ من تسلطية السلطة، أكثر فأكثر. بهذا المعنى، أعتقد أن صبر الناس على حالها المعاشي، ثم انفجارها “السياسي” لاحقاً، هو الطريق الذي يفضي إلى تحررها”.
وأشار د. شعبو إلى وجود تلاقي إيجابي بين المطالب السياسية والمعيشية، فقال: “في ظل واقعنا السياسي في سوريا هناك ارتباط مباشر بين السياسي والمطلبي، من ناحيتين، الأولى من حيث حضور الناس في المجال العام وتحولهم إلى قوة ضغط على السلطة، والثانية من حيث أن تحسين الوضع المعيشي الناس يعني اضطرار الحكومة إلى تحسين الإدارة وتقليص الفساد، وهذا يساهم في إضعاف تماسك السلطة إزاء المحكومين، ومن الناحيتين يبدو صريحاً ارتباط المطلبي بالسياسي ارتباطاً شبه مباشر”.
وبما يخص توصيف الحراك الحالي، رأى د. شعبو أنه من المبكر القول بوجود حركة مطلبية في سوريا “الاحتجاجات لا تزال نخبوية في غالبها، ولا توجد مشاركة جماهيرية فيها، ولا يزال الناس تحت تأثير ما أسميه (الأسد فوبيا)، فهم يشعرون بأن كل احتجاج ضد السلطة الحالية يمهد الطريق لعودة الأسد، وأعتقد أن هذا الشعور يساهم إلى اليوم في تحمل سوء الحكم الجديد، ولكن هذا أمر مؤقت والاحتجاجات التي تحدث هنا وهناك سوف تساهم، مع الوقت، في خلق حركة احتجاجية جماهيرية، وسوف يساهم بؤس الوضع الاقتصادي، مع التخلف السياسي والفكري لجماعة الحكم اليوم، في زيادة عدد وحجم الاحتجاجات ضد السلطة، ومن شأن هذا أن يتطور إلى بروز مجتمع مدني، من خلال بروز تشكيلات مدنية وسيطة تعمل على بلورة مطالب الناس وتنظيم احتجاجهم وتنسيقها”.
المحامي والمعتقل السابق والقيادي في حزب العمل الشيوعي محمود عيسى، يرى أن محاولة تحديد أولويات اللحظة السورية بين الحقل المطلبي أو السياسي هو أمر موضوعي إلى حد كبير، وقال عيسى “الحقلان السياسي-الاقتصادي مترابطين، فالإجراءات الاقتصادية يقف وراءها نهج سياسي وأهداف في البرنامج العام والرؤية للسلطة السياسية القائمة في سوريا، ومع ذلك تحتل المطالب الاجتماعية الأولوية وتتقدم خطوات على السياسة من جهة شمولها لقطاعات اجتماعية عريضة تطال حياة الأغلبية الفقيرة، وتأتي الإجراءات الجديدة على عكس آمال أغلبية السوريين الذي يعيشون تحت خط الفقر”.
ويعتقد عيسى بأن “السلطة ليست راضية عن الحراك الاحتجاجي الذي ينادي بمطالب معيشية، لكن المطالب المعيشية -الاقتصادية تحظى بتأييد أكبر من الناس من المطالب السياسية، وبالتالي يمكن ان تسبب إحراجاً للسلطة، وتفقدها الدعم غير المسبوق في إسقاط النظام البائد، ويمكن أن يؤدي تنامي الحراك المطلبي إلى تآكل شعبية السلطة شيئاً فشيئاً. وهو ما ينتقل إلى الحقل السياسي وهو ما لا تريده السلطة”.
ويرى عيسى أن “السلطة المؤقتة لا تولي الاحتجاجات السياسية أهمية كبرى، خصوصاً بعد حسم السلطة المعركة مع قسد لصالحها، وبسط سيطرتها على أغلب سوريا والدخول في مرحلة دمج لقوات قسد، ودمج منظمات ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل وأطر السلطة السياسية القائمة والجيش والشرطة وغيرها”، كما يرى عيسى أيضاً أن “الاحتجاجات السياسية ما زالت في حالة أدنى من ان تسبب لها قلقاً، ويمكنها ان تستخدم ادوات شعبية محلية في التصدي لها في حال قيامها”.
ويرى عيسى أن الحراك المدني بدأ فور سقوط نظام بشار الأسد، لكنه تراجع في فترة معينة، بسبب المجازر التي وقعت في الساحل والسويداء، وبسبب “استخدام الفزعات الواسعة في ترهيب المشاركين في الوقفات الاحتجاجية، ومحاولة منعها من قبلهم، من دون ان تتحمل السلطة تبعات هذا الأمر”.
وينظر عيسى بتفاؤل بمستقبل الحراك المطلبي، لأن “الإجراءات القمعية لم تعد قادرة على إلغاء توق السوريين إلى الاحتجاج على سياسات تحرير الاقتصاد وخصخصة القطاعات العامة، وذلك على الرغم من الإهانات والاعتداءات من البعض وشتى التهم بالمعتصمين وتلفيق التهم والشائعات حول بعض المشاركين، كما جرى في اعتصام قانون وكرامة مع المناضل محمد فاضل فطوم، وغيره، من الذين شاركوا”.
وحول أثر هذه الاحتجاجات على القوى السياسية، رأى عيسى “أن هذه الاحتجاجات ستعمل على فرز أوضح بين القوى السياسية، أي بين مع يقف مع احتجاجات الناس ومطالبهم، وبين مع يقف مع السلطة ويوجد لها المبررات بشكل مستمر، وفي كل الأحوال، فإن ما ينبغي أخذه بالحسبان هو أن الناس الذين انتفضوا ضد النظام البائد في ثورة عارمة ودفعوا ربيع اعمارهم في سبيل غد أفضل، لديهم الاستعداد للنزول إلى الشارع مرة اخرى والمطالبة بحقوقهم”.
د. هيثم مناع، المفكر والناشط الحقوقي، وعضو الكتلة الوطنية السورية، رأى أنه لا يمكن أن يكون هناك فصل بين المطالب المدنية والسياسية، والأمر يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة وبنية السلطة الحالية، وقال د. مناع “لم أرَ منذ هرب الغلام ما يمكن تسميته تخفيض أو رفع المطالب إلاّ في مخيلة جماعات انقرضت بالمعنى السياسي والمطلبي والنضالي منذ سنوات، فعندما تضرب ميليشيا منظمة ما تبقى من أجهزة الدولة وتستبدلها بفصائل هجينة مسلحة وجحوش المشايخ المطوعة، لا يمكن فصل مقاومة احتلال بيوت الناس وسرقة أموالهم وأملاكهم وعملهم عن مقاومة البناء المافيوي لإمارة مذهبية، ولن تكون هناك حدود فاصلة بين النضالات السياسية والمدنية، لأن ما يسمى منظمات مدنية ليس له سوى الاسم من دون الرسم”.
ويعتقد د. مناع أنه “خلال 14 عاماً، كل الجمعيات غير الحكومية وفي كل مناطق سلطات الأمر الواقع وحتى بعد انتقال هيئة تحرير الشام من إدلب إلى دمشق، سارت على طريقة التسلط الأسدي: أي الترخيص والقبول بشروط من يحكمها. لم تقبل أية سلطة أمر واقع بمبدأ الإعلان عن النفس، أو ما يسمى ب (علم وخبر) كما هو حال الجمعيات والمنظمات المدنية في دول تحترم نفسها وتعتبر التجمع والتنظم حقاً من حقوق الإنسان، ولن يدخلنا فقهاء السياسة في معاني الحراك الشعبي الذي لن يتوقف ولا يحتاج لتفسير أو تبرير، كما سيكون من المضحك إقامة جدار بين النضال المطلبي والنضال السياسي، فالطبيعة الأساسية والتشخيص الأول والأهم في كل ما يحدث، هو أننا في معركة وجود كمجتمع ودولة”.
من وجهة نظر د. مناع هناك مشكلة مع تفسير السلطة نفسها لمفهوم المواطن والمواطنة، والمواطن اليوم هو من يدافع عن حقه في الخبز والماء والكهرباء، وفي الوقت ذاته يدافع عن حقه في الوجود كمواطن، ويسأل د. مناع: “ما تعريف المواطنة عند مشايخ السلطة الحالية، وما هو تعريف المواطن على الحواجز وفي وسائل النقل العامة، حيث يُسأل المواطن عن دينه وطائفته، في مجتمع لم يسمع بهكذا سؤال منذ نهاية العهد العصملي (العثماني)، وفي عالم يجرّم الطائفية والتمييز”.
وأكد د. مناع على أهمية الحراك السياسي لـ “منع استنساخ الاستبداد والفساد من جديد، فهما المسؤولان عن وصول البلاد إلى ما وصلت إليه، وبالتالي، توجد ضرورة إلى اجتماع مختلف أطياف وأطراف البلاد لوضع حدّ لعملية إعادة فبركة الديكتاتورية وإدارة الفساد مع أشباح المذهبية والتكفير والمنع والحظر، وكل ما كان سبباً في اغتيال ثورة شعب وتحطيم ما تبقى مما يجمعنا كسوريين وسوريات”.
د. غياث نعيسة، الكاتب الاشتراكي والقيادي البارز في حزب اليسار الثوري، رأى أنه من الضروري قبل تقييم الحراك الراهن أن يكون لدينا تقييم لما جرى في سوريا، مع التأكيد مجدداً على أهمية مقولة ماركسية مفتاحية، وهي أن “الناس يصنعون التاريخ بأيديهم، لكنهم يفعلون ذلك بظروف لم يختاروها”. وأنه “في سوريا التي عاشت خلال عقد ونيف ثورة شعبية اندلعت في اذار 2011 ، ومن ثم هُزمت بالدم نتيجة وحشية النظام السابق وتدخل دول اقليمية ودولية، المتنافسة فيما بينها، ضد الثورة الشعبية، داعمة كل منها هذا الطرف المسلح او ذاك من الثورة المضادة، وهو ما سميناه الثورة المضادة المتعددة الأطراف، حيث صارت البلاد منذ عامي 2013-2014 البلاد مرتعاً لصراع عنيف بين قوى الثورة المضادة المدعومة إقليمياً ودولياً، وهذا ما أدى الى إنهاك نظام الأسد الاستبدادي وحلفائه وصولاً الى تسليم السلطة لهيئة تحرير الشام ، بصفقة إقليمية ودولية في نهاية 2024. ونحن في حزب اليسار الثوري وصفنا السلطة الحالية بأنها سلطة ترميدورية، أي سلطة للثورة المضادة”.
ويعتقد نعيسة أن الحراك الحالي ضروري لإعادة بناء الوعي العام، حيث “خلفت الخمسة عشر عاماً الماضية من الدمار والخراب تغييرات جذرية على صعيد الوعي العام وعلى صعيد العلاقات الاقتصادية – والاجتماعية والديمغرافية وعلى صعيد الأخلاق. فقد تفكك المجتمع السوري إلى حد كبير، وقد استغلت السلطة الترميدورية هذا الواقع، ومنذ البداية باعت أوهام كبيرة لعموم الشعب السوري، لكن أوهامها تبخرت سريعاً وأصبحت أكاذيبها واضحة. رغم استخدام السلطة لخطاب طائفي بشع لحشد الدعم لها وحولها، عززته مجازرها في الساحل والسويداء وحلب. بيد أن غالبية الناس شعرت ولمست ان حياتها ساءت عما كانت عليه من قبل. وبدأت بالاحتجاج لتحسين شروط حياتها في كل المناطق، وهذه الاحتجاجات المطلبية هي البداية لاستعادة الوعي الضروري لأي عمل عام، فالاحتجاجات تعيد صياغة الوعي الجمعي بشكل تراكمي، وتربي الناس على العمل الجماعي والمنظم، إذ أنه بغياب عمل احتجاجي جماهيري لا قيمة تذكر للعمل السياسي”.
ويدعو نعيسة القوى الوطنية الديمقراطية إلى الانخراط في الاحتجاجات، وأن تسهم بتحويل الوعي المطلبي للناس إلى وعي سياسي يطالب بالتغيير.
وأشار نعيسة إلى “ضرورة الاهتمام السياسي بالنشاط الاحتجاجي الاجتماعي العفوي، فهو كمون لوعي سياسي، وعدم إخلاء ساحة الاحتجاج السياسي والاجتماعي العام، وربط الحركة المطلبية والسياسية يحتاج إلى برنامج عمل مشترك للقوى اليسارية والديمقراطية، يمر عبر بناء جبهة متحدة، بشكل ما، تنسق هذه الأنشطة، والكفاح المشترك لتتجاوز الاحتجاجات طابع مطلبيتها ومحليتها وتشتتها وترفع من سويتها السياسية”.
ويرى نعيسة أن ما هو مهم هو “ديمومة الحراك الاحتجاجي، بوصفه ظاهرة صحية جداً، تستعيد من خلالها شرائح تزداد اتساعاً من السوريين/ات الوعي بأن مصيرها الذاتي الخاص مرتبط تماماً بالمصير الجمعي، وأن الحراك الاحتجاجي المتصاعد يعني أن مزيداً من السوريين/ات يتخلصون أكثر فأكثر من الأيديولوجيا الرجعية للسلطة الترميدورية، والاحتجاجات الشعبية هي بشائر التغيير السياسي المطلوب، فكل احتجاج مطلبي هو احتجاج سياسي في جوهره، لكن نقله إلى القدرة على التغيير يحتاج إلى قوى سياسية واعية ومنظمة وجماهيرية”.
