تحليل سياسي

باب المندب في قلب الصراع الإيراني – الخليجي

(حَدْس) – هيئة التحرير:

في النصف الأول من سبتمبر/أيلول 2026، وخلال هجوم امتد نحو عشرة أيام، تقدمت جماعة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، وسيطرت على مدينة المخا وعدد من الجزر القريبة، مقتربة بذلك من الممرات المشرفة على مضيق باب المندب. ولم يضع هذا التقدم المضيق بكامله تحت سيطرة الحوثيين، كما ذهبت بعض التوصيفات المتعجلة، لكنه منحهم مواقع متقدمة تتيح مراقبة جزء مهم من حركة الملاحة، وتهديد السفن ورفع كلفة تأمينها ومرورها. وتزامن ذلك مع استئناف الهجمات الحوثية على السعودية، واستهداف الرياض وينبع والطائف وجازان، بعد مرحلة من التهدئة استمرت منذ هدنة عام 2022.

لا تكمن أهمية هذا التطور في تبدل خطوط السيطرة داخل اليمن بحد ذاته، بل في انتقال الحوثيين إلى موقع أكثر قدرة على التأثير في معادلة الأمن الإقليمي. فباب المندب ليس ممراً يمنياً محلياً، وإنما أحد أهم شرايين التجارة العالمية، يربط المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر ثم بقناة السويس والبحر المتوسط. وأي تهديد منتظم للملاحة فيه ينعكس على حركة الطاقة والبضائع وتكاليف التأمين والشحن، وعلى اقتصادات الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية ومصر، فضلاً عن التجارة بين آسيا وأوروبا.

باب المندب والصراع الإيراني – الخليجي:

من هنا، ينبغي قراءة وصول الحوثيين إلى جوار باب المندب في سياق الصراع الإيراني – الخليجي، لا بوصفه مجرد فصل جديد من الحرب اليمنية. فقد عملت إيران، طوال الأعوام الماضية، على بناء شبكة من القوى المسلحة التي تتيح لها التأثير خارج حدودها، وممارسة الضغط على خصومها من دون الدخول دائماً في مواجهة مباشرة معهم. وفي هذا السياق، تحول الحوثيون من جماعة محلية ذات مطالب يمنية إلى قوة عسكرية تمتلك الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقدرات البحرية، ويمكن استخدامها في تهديد المدن والمنشآت النفطية وخطوط التجارة.

لا يعني ذلك أن الحوثيين مجرد قوة تتحرك بأوامر إيرانية مباشرة، إذ يمتلكون مشروعهم الخاص وحساباتهم اليمنية ومصالحهم التنظيمية والسلطوية. لكن استقلالهم النسبي لا ينفي أن قدراتهم العسكرية وتوسع أدوارهم الإقليمية يجعلانهم جزءاً أساسياً من استراتيجية إيران. فالعلاقة بين الطرفين لا تحتاج إلى تطابق كامل في القرارات حتى تكون ذات قيمة استراتيجية، يكفي أن يؤدي تحرك الحوثيين إلى استنزاف السعودية، وتهديد صادرات الطاقة، وإجبار القوى الدولية على توزيع مواردها العسكرية بين جبهات متعددة.

وتزداد أهمية باب المندب في ظل الاضطراب الذي أصاب مضيق هرمز نتيجة الحرب الأمريكية – الإيرانية. فقد ارتبط أمن الخليج، لعقود، بقدرة إيران على تهديد الملاحة في هرمز، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الخليجية. أما اليوم، فإن تقدم الحوثيين على الساحل الغربي يضيف باب المندب إلى معادلة الضغط، ويمنح طهران وحلفاءها قدرة على التأثير في مدخلين بحريين شديدي الأهمية: مدخل الخليج العربي من الشرق، ومدخل البحر الأحمر من الجنوب.

بهذا المعنى، لا تسعى إيران بالضرورة إلى إغلاق المضيقين إغلاقاً كاملاً، وهو أمر سيستدعي رداً دولياً واسعاً وقد يضر بمصالحها ومصالح حلفائها. الأكثر فاعلية بالنسبة إليها هو إبقاء احتمال التعطيل قائماً: هجمات متقطعة، تهديد سفن محددة، رفع تكاليف التأمين، وإجبار الدول الخليجية والقوى الغربية على استنفار بحري وعسكري دائم. فالتهديد المحدود والمستمر قد يكون أكثر نفعاً من الإغلاق الشامل، لأنه يتيح ممارسة الضغط من دون تحمل تبعات حرب مفتوحة.

خطر استهداف العمق الخليجي:

بالنسبة إلى السعودية، يكشف هذا التطور عن هشاشة أمنية مركبة. فالمملكة لا تواجه خطراً على حدودها الجنوبية فحسب، بل تواجه قوة قادرة على استهداف عمقها الجغرافي ومنشآتها النفطية وموانئها على البحر الأحمر. وكانت الرياض قد عملت خلال السنوات الأخيرة على تخفيف انخراطها العسكري في اليمن والانتقال من المواجهة إلى التفاوض، أملاً في حماية أراضيها ومشروعاتها الاقتصادية من الهجمات. غير أن تجدد إطلاق الصواريخ والمسيّرات، ووصول الإنذارات الجوية إلى الرياض وجدة وينبع، أظهر أن التهدئة لم تنتج تسوية تزيل مصادر التهديد.

ويضع ذلك القيادة السعودية أمام خيارات صعبة. فالعودة إلى حرب واسعة في اليمن تحمل كلفة عسكرية وسياسية كبيرة، ولا تضمن إنهاء القدرات الحوثية التي أثبتت قدرتها على التكيف والاستمرار. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالدفاع الجوي والاحتواء يمنح الحوثيين وقتاً لتثبيت مواقعهم وتطوير وسائل الهجوم. أما التوصل إلى اتفاق ثنائي معهم فقد يوفر تهدئة مؤقتة، لكنه قد يكرس الحوثيين قوة إقليمية مسلحة تمتلك حق الضغط على السعودية كلما تغيرت موازين الصراع بين إيران وخصومها.

ولا تبدو الإمارات بعيدة عن هذه المخاطر، حتى وإن تراجع حضورها العسكري المباشر في الحرب اليمنية. فالموانئ والجزر والساحل الغربي لليمن ترتبط برؤية أبو ظبي لأمن الملاحة ونفوذها البحري، كما أن أي تمدد حوثي قرب باب المندب يهدد خطوط التجارة التي تقوم عليها مكانة الموانئ الإماراتية. وقد يدفع ذلك السعودية والإمارات إلى إعادة تنسيق مواقفهما في اليمن، بعد سنوات ظهرت خلالها تباينات بين أولوياتهما وحلفائهما المحليين.

أما مصر، فإنها تتأثر من زاوية مختلفة لكنها لا تقل أهمية، فاضطراب الملاحة في باب المندب يدفع شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر وقناة السويس، واختيار طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى تكلفة، ولذلك فإن التهديد الحوثي لا يمس الأمن الخليجي فقط، بل يهدد أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري. وقد تجد القاهرة نفسها مطالبة بدور سياسي وأمني أكبر في البحر الأحمر، رغم أزماتها الاقتصادية وتحفظها التقليدي تجاه التورط المباشر في اليمن.

كذلك، يضع التقدم الحوثي سلطنة عُمان أمام اختبار جديد. فقد احتفظت مسقط بقنوات اتصال مع الحوثيين وإيران والسعودية، وأدت دور الوسيط في جولات التفاوض السابقة. غير أن اتساع الصراع من الحدود اليمنية – السعودية إلى أمن البحر الأحمر يقلص قدرة الوساطات الثنائية على احتوائه، لأن الملف لم يعد متعلقاً بتسوية يمنية أو بضمانات بين الحوثيين والرياض فقط، بل أصبح متصلاً بالمواجهة بين إيران والولايات المتحدة وبمستقبل تدفقات الطاقة والتجارة الدولية.

معادلة نفوذ جديدة:

ومن المرجح أن يؤدي تصاعد التهديد في باب المندب إلى تعزيز الوجود العسكري الدولي في البحر الأحمر. لكن التجارب السابقة أظهرت أن الدوريات البحرية قادرة على اعتراض بعض الصواريخ والمسيّرات وحماية سفن محددة، من دون أن تتمكن من إزالة مصدر التهديد على اليابسة. كما أن تعدد القوى المنتشرة في المنطقة، واختلاف أهدافها، يرفعان احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير، ويجعلان الممر البحري أكثر عسكرة وأقل استقراراً.

إن أخطر ما يحمله التطور الجديد هو انتقال الصراع الإيراني – الخليجي من معادلة النفوذ داخل الدول العربية إلى معادلة التحكم بالممرات البحرية. فإيران، التي تواجه تفوقاً عسكرياً أمريكياً وخليجياً تقليدياً، تحاول تعويض هذا الاختلال عبر توسيع مساحة الخطر، وربط أمن خصومها بجبهات متباعدة. وفي المقابل، تجد الدول الخليجية أن الإنفاق الكبير على التسلح والدفاع الجوي لا يوفر وحده حماية كاملة أمام الصواريخ والمسيّرات والقوى المسلحة غير النظامية.

يقف باب المندب اليوم عند نقطة التقاء ثلاث صراعات: الصراع على السلطة داخل اليمن، والمنافسة الإيرانية – الخليجية، والمواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. غير أن البعد الثاني هو الأكثر تأثيراً في مستقبل الأمن العربي، لأن تثبيت الحوثيين قوة مهيمنة على الساحل الغربي سيمنح طهران ورقة ضغط طويلة الأمد على السعودية والإمارات ومصر، وسينقل ميزان الردع من الخليج إلى البحر الأحمر.

ولذلك، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الحوثيون قادرين على إغلاق باب المندب بصورة كاملة، بل ما إذا كانوا قد أصبحوا قادرين على تحويله إلى ممر غير آمن كلما احتاجت إيران إلى رفع مستوى الضغط على خصومها. فإذا ترسخت هذه القدرة، فإن المنطقة ستكون أمام تحول استراتيجي يتجاوز حدود اليمن: من صراع على النفوذ في العواصم العربية إلى صراع على الشرايين التي تصل هذه العواصم بالعالم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق