أكثم نعيسة… سيرة رائد من جيل التأسيس للدفاع عن الحريات والديمقراطية

تعمل صحيفة “حدْس” عبر نافذتها “ذاكرة المستقبل” على تقديم إطلالات على سير روّاد ورائدات زمن مقاومة الطغيان الأسدي، وفاءً لهم، ودفاعاً عن الذاكرة الوطنية الديمقراطية في مواجهة محاولات شطبها، وهي عملية تلاقت عليها، بطرق مختلفة، إرادة النظام الاستبدادي المنهار وسلطات الأمر الواقع اللاحقة.
وفي نافذتنا الأولى، نطلّ على تجربة رائد من رواد إعادة التأسيس في سوريا، كان له إسهام في تشكّل اليسار الجديد في أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات من القرن الماضي، كما كان له دور حاسم في إعادة تأسيس العمل من أجل حقوق الإنسان في سوريا.
وُلد أكثم نعيسة عام 1951 في اللاذقية، ودرس الحقوق، وتنقّل في شبابه بين بغداد والقاهرة. هناك، كما أفادنا شقيقه غياث نعيسة، الطبيب والكاتب اليساري الثوري: “تشاركنا سنواتٍ قليلةً من الدراسة سوياً في بغداد والقاهرة، ولكن أكثر من ذلك، تشاركنا مسيرةً طويلةً من العمل السياسي المشترك”، مضيفاً أن تلك البدايات شهدت تشكّل حلقات ماركسية “لم تحمل اسماً خاصاً بها”، لكنها اتسمت بميول مناقضة للشيوعية الرسمية، وبتوجه نقدي واضح تجاه التجربة السوفياتية والستالينية.
ويضيف غياث، واصفاً تلك المرحلة المبكرة: “كان أكثم دينامو المشروع”، في إشارة إلى دوره في تحريك تلك الحلقات وتوسيع تأثيرها، قبل أن تنفتح على الحوار مع رابطة العمل الشيوعي، وصولاً إلى اندماج جزء كبير منها فيها، حيث لعب أكثم دوراً فاعلاً في هذا المسار التنظيمي والسياسي.
من التبنّي إلى الصدام:
في تلك البدايات، لم يكن الانخراط السياسي خياراً عابراً، بل مساراً يتطلب استعداداً للمواجهة. ويُتابع غياث نعيسة روايته قائلاً: “في الثاني من شباط عام 1982، اعتُقل أكثم من مكتبه في اللاذقية مع العشرات من مناضلي ومناضلات اليسار”، مضيفاً أنه “تعرّض لتعذيبٍ وحشي أدّى إلى شللٍ نصفي، تعافى منه بعد أشهر”.
ولم يكن هذا الاعتقال حادثة منفصلة، بل بداية مسار طويل. إذ يوضح غياث أن الاعتقالات تكررت لاحقاً، في سياق استهداف ممنهج للنشاط السياسي، وهو ما تؤكده تقارير حقوقية دولية تشير إلى أنه قضى سنوات طويلة في السجن بسبب نشاطه السياسي والحقوقي.
من السجن إلى إعادة التحديد:
السجن، كما تتقاطع الشهادات، لم يكن مجرد عقوبة، بل مساحة لإعادة التفكير. يقول جوان يوسف، الناشط الحقوقي الكردي السوري: “السجن ليس مجرد عقوبة قاسية، بل مختبر لإعادة التفكير في الأفكار الكبرى”، مضيفاً أن هذه التجربة “تعيد النظر في جدوى الأيديولوجيات المغلقة عندما تصطدم بواقع الاستبداد العاري”.
وفي توصيف أكثر اتساعاً، يرى جوان أن أكثم “عاش هذه المفارقة بكل تفاصيلها”، متنقلاً “من حلم التغيير الجذري إلى الدفاع عن أبسط حقوق الإنسان”، في مسار يعكس انتقالاً فرضته التجربة لا المراجعة النظرية وحدها.
وفي هذا السياق، يوضح حسام ميرو، الكاتب والأمين العام للحزب الدستوري السوري، أن هذا التحول جاء “في لحظة دولية فارقة، انهار فيها الاتحاد السوفياتي، تاركاً أسئلة كبرى أمام اليسار”، مضيفاً أن أكثم اختار في تلك اللحظة “العمل من أجل الحريات والديمقراطية، في وقتٍ كانت فيه السياسة تتراجع وتضعف فيه الأحزاب”.
التأسيس كخيار:
هذا التحول لم يبقَ في حدود القناعة، بل تُرجم إلى فعل. فبحسب ما أفادنا حسام ميرو، اتجه أكثم إلى التأسيس، “مستكملاً خطّ التأسيس الذي دأب عليه دائماً”، في إشارة إلى دوره في إطلاق لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا عام 1989، وهي تجربة رفعت، كما يرد في شهادات معاصريها، قضايا المعتقلين والحريات العامة إلى واجهة الفعل العام لسنوات طويلة.
ويشير غياث نعيسة إلى أن هذا المسار لم يكن أقل كلفة، إذ “تعرّض أكثم مرةً أخرى للاعتقال عام 1992، وقضى سنواتٍ طويلةً في السجون”، في تكرار لمسار بات سمة ثابتة في حياته، حيث يتلازم الفعل العام مع القمع المباشر.
الفعل العلني وثمنه:
مع مطلع الألفية، عاد أكثم إلى المجال العام بشكل أكثر وضوحاً. ويستعيد غياث هذه المرحلة قائلاً: “تابع نضاله الديمقراطي، وبالأخص الحدث الفريد للمظاهرة أمام مجلس الشعب عام 2004″، وهو ما أدّى إلى اعتقاله مجدداً ومحاكمته.
ويختصر غياث هذه الدورة بعبارة دالة: “نشاطٌ واحتجاجٌ ديمقراطي يليه اعتقال”، وهي صيغة تكاد تختزل إيقاع حياة امتدت بين الفعل والقمع.
المفارقة: حلم بسيط، ثمن باهظ
في قراءة لاحقة لمسيرته، يقول جوان يوسف: “حمل حلماً كبيراً في زمن كان الحلم جريمة”، قبل أن يوضح المفارقة: “هذا الحلم، بمعايير الدول التي تحترم مواطنيها، يبدو بسيطاً وبديهياً، مجرد حق طبيعي لا يحتاج إلى تضحيات”.
ويضيف أن هذا الحلم، في السياق السوري، تحوّل إلى “مشروع نضالي مكلف جداً”، وأن أكثم ظل يحمل هذا التوتر بين ما هو بديهي إنسانياً وما هو مستحيل سياسياً، حتى في مراحله الأخيرة.
ما بعد 2011: الثبات في لحظة الالتباس
في السنوات الأخيرة، ازدادت تعقيدات المشهد. يقول حسام ميرو إن أكثم ظل متمسكاً “بأولوية الحريات والديمقراطية في أي نظام سياسي”، في وقتٍ “تجاهلها كثر ممن قضوا عمراً في النضال من أجلها”، مضيفاً أن بعضهم، مع تغيّر موازين القوى، اعتبر أن نضاله قد تحقق، وذهب إلى دعم سلطات جديدة.
ويتابع حسام أن أكثم، بعد استبعاده من هيئات المعارضة الرسمية، “ذهب نحو تأسيس أمارجي، مستكملاً خطّ التأسيس الذي دأب عليه دائماً”، في استمرار لمسار لم ينقطع، رغم التحولات والخيبات.
مات أكثم نعيسة قبل أن يرى الحلم الذي انتظره طويلاً، كما أفادنا جوان يوسف، مستعيداً نهاية رجلٍ عاش عمره في ملاحقة هذا الحلم.
رحل أكثم نعيسة في المنفى عام 2022، بعد مسار طويل من الاعتقال والملاحقة والعمل العام.

