أخبار سورية

نهج “التسليف”… قولبة المجتمع والدولة في سوريا 

مرّ أكثر من عام على وصول “هيئة تحرير الشام” إلى سدة السلطة بقيادة أحمد الشرع، وهذه مدة كافية لتمييز الاتجاهات البنيوية للحكم بعيداً عن تبريرات المرحلة الانتقالية، حيث أن السؤال لم يعد متعلقاً بتثبيت السيطرة أو إدارة الفراغ، بل بطبيعة الدولة التي يجري تشكيلها بعد خمسة عشر عاماً من حرب مدمّرة.

خلال هذا العام، برز اتجاه يمكن رصده وربط مؤشراته المتراكمة، فقد آثرت السلطة الانتقالية إلى اختيار الصف الأول من القيادات العسكرية والإدارية من شخصيات كانت رئيسية وفاعلة في الهيئة، أو ذات صلة تاريخية بالجماعات الجهادية، أو محسوبة عليها، مع التغاضي أو المباركة “من الخلف” لتوسيع قاعدة الدعوة في المجتمع، من خلال المساجد والحلقات، أو من خلال إقامة المصليات في الجامعات، أو عبر التركيز على التعليم الديني للصغار، وكذلك عبر  اختراع منصب الشيخ في مؤسسات الدولة، الذي تفوق صلاحياته صلاحيات المدراء العامين، أو من خلال تعاميم إدارية معينة، مثل منع الموظفات في القطاع العام من وضع الماكياج خلال أوقات الدوام، ومؤخراً قرار محافظ دمشق حصر بيع المشروبات الكحولية في مناطق ذات أغلبية مسيحية فقط.  

لم تكن هذه المؤشرات في الفضاء العام مفصولة عن اتجاه إخضاعي واضح تجاه ما تعتبرهم السلطة بأنهم أقليات، فمنحت نفسها حقّ احتكار الأكثرية الدينية، وحقّ تصنيف الآخرين، فارتكبت قواتها مجازر على نطاف واسع في مدن الساحل بحق مدنيين “علويين” وفي السويداء بحق مدنيين “دروز”، وهذا المنطق الإخضاعي هو جزء من سياسة ممنهجة لها هدف محدد، وهو شرعنة السلطة الانتقالية بوصفها ممثلة الأكثرية في وجه أقليات، هم إما فلول أو خونة انفصاليون. 

ولهذا السبب نقترح في الحزب الدستوري السوري استخدام مصطلح “تسليف المجتمع”. فنحن لا نطرحه كشعار سياسي، بل كمفهوم تحليلي يصف عملية محددة، تتمثل في نقل المرجعية السلفية من الحقل الدعوي الطوعي إلى الحقل المؤسسي الإلزامي، بحيث تصبح معياراً ناظماً للسياسات العامة، ومصدراً ضمنياً للشرعية، وأداة لإعادة تعريف الانتماء الوطني.

المصطلحات الشائعة مثل “الأسلمة” أو “تديين المجال العام” أو حتى “السلفية السياسية” لا تكفي لتوصيف ما يجري،  فالأسلمة قد تعني ببساطة حضوراً دينياً في السياسة، أو تشريعاً مستنداً إلى مرجعية دينية، أما ما نشهده اليوم فهو أعمق من ذلك، إنه سعي لإعادة قولبة المجتمع ذاته وفق تصور سلفي معياري، وتحويل هذا التصور إلى إطار تنظيمي للدولة. هنا لا تكون المسألة مجرد هوية فكرية لفصيل حاكم، بل عملية هندسة اجتماعية من أعلى.

يرتكز هذا المسار على فكرة تمثيل “الأكثرية السنية” بوصفها مصدر الشرعية السياسية، غير أن هذا الطرح ينطوي على إشكاليتين جوهريتين، الإشكالية الأولى هي أن الأكثرية ليست وحدة فكرية أو فقهية متجانسة، بل فضاء متعدد الاتجاهات والتقاليد، والإشكالية الثانية هي أن تحويل الأكثرية الدينية إلى أساس حصري للشرعية من شأنه أن يقوّض مفهوم المواطنة المتساوية ويستبدله بمنطق المطابقة العقدية.

في تجارب إقليمية عدة، أدى تثبيت تفسير ديني محدد كهوية رسمية للدولة إلى تضييق قاعدة الحكم بدلاً من توسيعها،  ففي إيران بعد عام 1979، تم إرساء نظام يقوم على مرجعية مذهبية محددة، ما أفضى إلى بنية سياسية مغلقة تواجه دورياً أزمات شرعية داخلية،  وفي أفغانستان تحت حكم طالبان، تحولت القراءة الدينية إلى إطار حاكم شامل، وكانت النتيجة عزلة سياسية واقتصادية عميقة، وكذلك السودان خلال عهد عمر البشير، وقد بيّنت التجربة أن “الأسلمة من أعلى” لم تؤسس لاستقرار مستدام، بل انتهت إلى تفكك داخلي وانهيار سياسي، كما أن القاسم المشترك في هذه التجارب ليس مجرد حضور الدين في المجال العام، بل احتكار تفسيره وتحويله إلى معيار وحيد للانتماء السياسي.

وفي بلد مثل سوريا، خارج من حرب طويلة، شهدت انقسامات اجتماعية عميقة، فإن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى  عبر توسيع دوائر التمثيل والاحتواء، فالحرب السورية خلّفت هشاشة عميقة في النسيج الوطني، وأي مسار يعيد تعريف الدولة على أساس معيار عقدي واحد يضيف هشاشة جديدة بدلاً من معالجة القديمة. 

حين يُعاد ترتيب المجال العام بحيث يصبح الانسجام الأيديولوجي معياراً ضمنياً للاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، تنتقل الدولة من موقع الحياد إلى موقع الاصطفاف، ومع هذا الانتقال، يتقلص تعريف “السوري” من مفهوم قانوني–سياسي قائم على المواطنة، إلى تعريف أقرب إلى الانتماء المذهبي.

إن التحول من حركة ذات خلفية جهادية إلى سلطة دولة يقتضي إعادة تعريف عميقة للوظيفة السياسية، فالتنظيم العقائدي يقوم بطبيعته على وضوح معياري وتجانس داخلي، بينما تقوم الدولة الحديثة على إدارة التعدد، وعندما تنتقل المعايير التنظيمية إلى مؤسسات الحكم من دون تفكيكها وإعادة صياغتها، تتحول الدولة إلى امتداد لبنية الجماعة، لا إلى إطار يتجاوزها.

بعد أكثر من عام في الحكم، تبدو مؤشرات “التسليف” أقرب إلى مسار ترسيخ هوية أيديولوجية داخل الدولة، لا إلى مسار تحييدها، ومن منظور تحليلي، يحمل هذا المسار تناقضاً بنيوياً،  فكلما تعمّق الطابع المعياري الضيق، تقلصت القاعدة الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن يستند إليها الحكم على المدى المتوسط والبعيد.

إن اختزال الهوية الوطنية في قراءة واحدة لا يعيد بناء دولة منهكة، بل يعيد تعريفها على نحو يهدد اتساعها التاريخي، وهنا تكمن خطورة اللحظة، التي لا تكمن في حضور الدين، بل في تحويله إلى معيار حصري لتعريف المجتمع والدولة معاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق