رأي

ما السياسة وماذا تعني في بلد مثل سوريا؟

حسام ميرو

منذ تعريف أرسطو للإنسان بوصفه “حيوان سياسي” وإلى اليوم، ثمة حاجة دائماً للعودة إلى سؤال ما السياسة؟ خصوصاً عندما تشتد الأزمات في مجتمع ما، فكيف الحال إذاً في دول ومجتمعات مثل بلادنا، التي اعتادت لعقود طويلة أن تحتكر جهة واحدة، حزب، أو فرد، العمل السياسي، ثم تحولت إلى ساحة حرب إقليمية ودولية، جعلت العنف مدخلاً وحيداً لتغيير ميزان القوة، وقبل ذلك، جعلت من السلاح تعبيراً عن شرعية النظام السياسي والفصائل المسلحة التي تقاتله في آن معاً.

في كتابه الشهير “الجمهورية”، يأخذ أفلاطون الجدل نحو بعد آخر، إذ يجعل الهدف من السياسة هو تحقيق العدالة، وبتعبير أفلاطون “كيف يمكن أن تكون المدينة عادلة”، وبهذه الخطوة الإضافية من توصيف طبيعة الإنسان بجعله “حيواناً سياسياً” إلى سؤال الهدف، وضع أفلاطون نفسه كمؤسس للفكر السياسي، انطلاقاً من التفلسف حول العدالة، المرتبطة لديه بالخير العام، وبضرورة وجود تعريف عام لفكرة الخير العام التي لا يمكن فصلها عن المكان والزمان الخاصين، وقد مضت هذه الفكرة خطوة حاسمة مع بريكلس في خطابه الشهير عن “الديمقراطية في أثينا”، بالقول إن السياسة تقوم عبر الكلام والحوار والحجة والإقناع.

في الثلاثي الفلسفي السابق، ثمة ثلاث نقاط أساسية، تتمثل الأولى في القطع مع توصيف الإنسان بوصفه امتداداً للطبيعة، وجعله مرتبطاً بالمجتمع، وجعل صورة المجتمع انعكاساً للفعل السياسي الذي يقوم به الإنسان، أما الثانية، فهي أنه لا يمكن تحقيق الخير العام من دون فعل سياسي، وأن أي سياسة لا ترتبط بالخير العام فهي قائمة بالضرورة على تضاد مع العدالة، أما الثالثة، وهي جعل السياسة مسألة حجاجية حوارية، تقوم على المنطق أولاً، وعلى الإقناع ثانياً، وليس على الإكراه، وتتجه النقاط الثلاثة السابقة، لتحدد إلى حدّ كبير المرجع التأسيسي لمفهوم السياسة.

إن العودة للسياق اليوناني التأسيسي للتفلسف حول السياسة، ومحاولة بناء إطار مرجعي للمفهوم، قد تبدو قياساً للتحولات العديدة والمتنوعة التي شهدها الفكر السياسي عبر التاريخ، عملية تبسيط، أو مسألة تجاوزها الزمن، لكن ثمة قاعدة في الفلسفة نفسها تقول إنه في اللحظة التي يتعقد فيها واقع ما، علينا أن نعود إلى المفاهيم الأساسية، أو التعريفات الرئيسية للمفاهيم، وهو ما ينطبق إلى حد كبير، قد لا تكون هناك أي مجازفة في التشبيه إذا قلنا اصطلاحاً أن الواقع السوري اليوم ينطوي على جملة من التعقيدات، التي تستدعي مثل هذه العودة إلى التعريفات الرئيسية لمفهوم السياسة.

إن السواد الأعظم من السوريين، منذ أن تراجعت الحياة السياسية في سوريا في نهاية سبعينيات القرن الماضي، انكفأوا على أنفسهم واحتياجاتهم اليومية، معتبرين أن السياسة شأن السلطة وحدها، وهي المسؤولة عن تقرير ما تجده مناسباً، إما لقناعة بأنها أدرى بالممكنات والاحتياجات والإدارة، أو لأن السلطة لا تحتمل من ينافسها على السياسة، التي تفتح باب الوصول إلى السلطة، وقد زادت الحرب السورية من كارثة هذا الوضع، فقد أضافت إلى “وعي السوريين” مسألة أخطر، وهي أن من يقرر ما سيحدث لبلادهم هم القوى الإقليمية والدولية، وأن إرادتهم أو فعلهم أو تنظيمهم لأنفسهم في أطر سياسية غير ذي جدوى، فحتى من يتحدثون باسمهم على ضفة النظام السابق أو المعارضة، فذلك لأنهم مدعومون من قوى خارجية، وهم موجودون بإرادتها، وليس لأنهم يمثلون فعلاً الرأي العام السوري.

ليس وعي الناس خاطئاً كلياً، فنظراً لحالة الفراغ السياسي التي كانت قائمة لعقود، ونظراً لأن الحرب فعلياً أصبحت حرباً متداخلة، تحوّلت فيها القوى السورية المقاتلة، من نظام وفصائل، رهن إرادة الخارج، فإن وعي الناس بالمسألة الوطنية/السياسية فيه صواب كبير، لكنه صواب نسبي، لأنه ينطلق من مسلّمة قوامها إلغاء الذات الفردية والذات الجماعية، والاستسلام كلياً للقوة، أو ما يُعتبر بأنه القوة بشكل حصري، وهو أمر يحتاج إلى بحث وتدقيق في معانيه التاريخية والتراثية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، لكن ما هو مؤكد أن كل هذه العوامل، لعبت في صياغة هذا الموقف السلبي الذي يقلّل من شأن الذات والعمل الجماعي.

إن انهيار نظام الأسد كنتيجة لتداعيات “طوفان الأقصى”، والتوافق الإقليمي والدولي على المجيء بـ”هيئة تحرير الشام” إلى السلطة، عدا عن كونه ليس ذا صلة بعملية التغيير السياسي فقط، وإنما من الناحية الواقعية، أسهم في تغليب القوة على السياسة، والعنف على الحوار، إذ ارتكبت السلطة المؤقتة مجزرتين كبيرتين بحقّ المدنيين في الساحل والسويداء على أساس طائفي، لإظهار قوتها من جهة، وإخضاع الأقليات من جهة ثانية (من وجهة نظرها)، ما يجعلنا نواجه كسوريين مرة أخرى حالة الهروب من السياسة لمعالجة الأزمات الوطنية الكثيرة التي تراكمت طوال السنوات الماضية.

إن الهدف غير المعلن للمجزرتين هو الاحتكام لمنطق الغلبة، كمدخل لتأسيس العقد الاجتماعي، أي الموافقة على السلطة مقابل الحصول على الأمان، وهو أسوأ أشكال العقود الاجتماعية، فهو عدا عن كونه لا ينتج دولة حديثة، فإن فرصة نجاحه في كتابة مثل هذا العقد (السلطة مقابل الأمان) ضعيفة جداً في دولة شبه منهارة وفاشلة مثل سوريا، وهو وصفة مثالية لاستمرار الحرب، وليس لإقامة نظام سياسي، حتى بالمعنى الاستبدادي.

إن بقاء سوريا كدولة، ومجتمع، وحيّز انتاج اقتصادي وحضاري، مرهونة بحيوية المجتمع سياسياً، أي بعودة الناس إلى الاشتباك مع قضاياهم، بما فيها القضايا المعيشية، بوصفها قضايا سياسية بالدرجة الأولى، أي بإعادة تعريف ذواتهم ككائنات سياسية، وهي عتبة أولى ضرورية لكنها غير كافية، كما أنها عملية تحتاج بحدّ ذاتها إلى فعل سياسي، الذي يفترض أن تقوم به القوى السياسية الديمقراطية.

إن ما حاولنا تعريفه في هذا المقال، أي السياسة، ما هو إلا محاولة اقتراب من ضرورة السياسة بشكل عام، وفي سوريا بشكل خاص، لكن بحث المعنى يحتاج إلى جدل أوسع من هذه المساحة، لكن سنختم بالقول إن بقاء سوريا في مناخ الحرب سيطول طالما أن السياسة غائبة، وكلما دخلت السياسة إلى الفضاء العام، وانخرط فيها السوريات والسوريون، كلما أصبحنا أقرب إلى ممارسة علاقات قائمة على الحوار والتنافس السلمي والتفاوض والتعاون، وهي مسائل في صلب معنى السياسة من جهة، وهي المسائل التي تميز إدارة الدولة الحديثة لمجتمعها واقتصادها ومؤسساتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق