من ضجيج المنصات إلى صمت البرامج: لماذا تحتاج سوريا لأحزاب لا تجمعات؟
علاء الخطيب
“لو سقط النظام غداً، كيف ستكون سوريا؟” هذا هو السؤال الذي حاولت الثورة السورية الهروب منه خلف جدار من الشعارات. واليوم، وبعد سنوات، ما زال السؤال قائماً وبذات الإلحاح. إن الرغبة في “سوريا حرة وديمقراطية” ليست إلا نيّة طيبة، والدول لا تؤسسها ولا تحميها النوايا الطيبة.
من المفارقات الكبيرة التي رافقت الثورة السورية، أن لحظة السقوط المفاجئ للنظام وضعت السوريين أمام فراغ سياسي هائل. فمن كان معروفاً وذو وجود على الساحة السياسية السورية من أفراد، وبعض التجمعات مثل الائتلاف والمجلس الوطني وهيئة التنسيق، لم تملك برامج تفصيلية واضحة حول شكل الدولة أو خطط إعادة بنائها على المستويات المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية.
وما زالت سوريا حتى اليوم تواجه المعضلة نفسها. فبغض النظر عن كيفية وصول السلطة الحالية للسلطة، بالكاد يمكن تسمية حزب أو اثنين يعملان وفق منطق حزبي حقيقي، بينما يستمر معظم الفاعلين ضمن منطق المنصات والتجمعات. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا يكفي لبناء دولة؟
لا خلاف على أن فشل العمل السياسي في سوريا وعدد من الدول العربية لم يكن سببه فقط القمع أو التدخلات الخارجية، بل غياب ما يمكن تسميته “الحياة السياسية” نفسها. لعقود طويلة، جرى تفريغ المجال العام من أي نشاط حزبي حقيقي، وتحويل السياسة إلى شأن مغلق تديره الدولة أو الأجهزة، ما أدى إلى انقطاع التراكم السياسي الطبيعي داخل المجتمع. وعندما انفجرت الثورات، ظهر هذا الفراغ بوضوح: جماهير واسعة قادرة على الاحتجاج، لكنها غير قادرة على التنظيم، ولا تمتلك أدوات تحويل الحراك إلى مشروع سياسي مستقر. لذلك لم تظهر أحزاب قوية أو قيادات سياسية ناضجة، بل تشكّلت كيانات سريعة، هشة، مرتبطة باللحظة، وسرعان ما دخلت في صراعات داخلية أو ارتهنت للخارج.
هذه المشكلة ليست سورية فقط، بل لها تفسير معروف في العلوم السياسية. يقع هذا الوضع ضمن مفاهيم مثل “ضعف المؤسسية السياسية” و “غياب التمثيل المنظم”. الحياة السياسية لا تعني فقط وجود انتخابات أو دساتير، بل وجود شبكة مستمرة من الأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدني، القادرة على إنتاج نخب، وصياغة برامج، وإدارة الخلافات ضمن قواعد واضحة. في غياب هذه البنية، تتحول السياسة إلى فعل فجائي أو احتجاجي، لا يستطيع الاستمرار أو الترسخ. ولهذا، عندما سقطت أو اهتزت الأنظمة، لم يكن هناك “بديل جاهز”، بل فراغ تنافست عليه قوى غير سياسية بالمعنى التقليدي، مثل الجماعات المسلحة أو الهويات الطائفية.
بالتالي، المشكلة ليست فقط في فشل من احتكر التمثيل السياسي للثورات، بل في أن ما سبقها لم يكن “سياسة” بالمعنى الحقيقي، بل إدارة سلطوية للمجتمع. وهذا ما يفسر لماذا لم تنتج هذه المجتمعات، حتى بعد لحظة الانفجار، حياة سياسية مستقرة. إعادة بناء هذه الحياة لا تتطلب فقط تغيير الأنظمة، بل إعادة تأسيس المجال السياسي نفسه: بناء أحزاب حقيقية، خلق ثقافة تنظيم، وتدريب المجتمع على إدارة الخلاف، لا الهروب منه.
ما قد يفاجئنا أن حتى مفهوم الحزب السياسي ما زال غائماً وغير واضح في الفضاء السوري والعربي، فكثيرون فهموا منه إما أن يكون أيدلوجياً، قومياً أو دينياً أو طائفياً، أو أن يكون لحساب مؤسّسه. فما هو الحزب السياسي بالمفهوم الصحي؟
الحزب السياسي ليس مجرد إطار تنظيمي أو اسم يجمع أشخاصاً، بل هو مؤسسة وسيطة بين المجتمع والدولة. يُعرَّف الحزب، في الأدبيات السياسية، بأنه تنظيم مستمر يسعى للوصول إلى السلطة أو التأثير فيها عبر برامج واضحة، ويعمل على تمثيل مصالح اجتماعية، وصياغة سياسات عامة، وإنتاج نخب قادرة على الحكم. وظيفة الحزب ليست فقط المنافسة في الانتخابات، بل بناء التراكم السياسي: تدريب الكوادر، بلورة الأفكار، تنظيم الاختلاف، وتحويل المطالب الشعبية إلى برامج قابلة للتنفيذ. فالأحزاب الحقيقية هي “مختبرات لإنتاج القادة”. في غيابها، نعتمد على “النجم الفرد” أو “المشهور”، بينما الحزب هو من يصنع الكادر السياسي الذي يعرف كيف يدير وزارة أو مؤسسة. لذلك، من دون أحزاب حقيقية، تبقى السياسة إما احتجاجاً عابراً أو صراعاً شخصياً، لا عملية مؤسسية قابلة للاستمرار. باختصار الحزب السياسي الحقيقي هو حزب “برامجي”، لا يكتفي بتعريف نفسه بـ “من نحن” (هوية)، بل بـ “ماذا سنفعل” (برنامج).
والفرق بين الحزب السياسي والمنصة أو التجمع فرقٌ جذري. فالمنصة/التجمع هدفها غالباً “إيصال صوت” أو “تمثيل جهة ما” في مفاوضات، وتعتمد على توافقات دنيا (شعارات عامة)، فلا تمتلك برنامجاً سياسياً واضح المعالم، ولا برامج اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية صلبة، ولا تستطيع تحمل مسؤولية إدارة دولة.
أما الحزب فهدفه “السلطة” (بالمفهوم الإيجابي أي الإدارة)، ويعتمد على “برنامج قطاعي” (ماذا سنفعل بالتعليم، بالاقتصاد، بالصحة؟)، ويعتمد على بناء نظري متماسك شامل، وذو بنية جاهزة لتولي مسؤولية إدارة الدولة.
في الحالة السورية، تبرز ضرورة الأحزاب كمدخل لإعادة بناء الحياة السياسية، لا كخيار شكلي. الفراغ الذي تركته عقود من تهميش العمل الحزبي لا يمكن ملؤه بكيانات مؤقتة أو تجمعات فضفاضة. صحيح أن المبادرات المدنية لعبت دوراً مهماً في التعبير والتنظيم الأولي، لكنها غالباً تفتقر إلى عناصر الاستدامة: برنامج سياسي متكامل، بنية تنظيمية واضحة، آليات داخلية للمساءلة، وقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. من دون هذه العناصر، تبقى هذه الكيانات قريبة من النشاط الأهلي أكثر منها من الفعل السياسي، وتواجه صعوبة في التحول إلى فاعل قادر على التنافس أو الحكم.
إن خطورة بقاء العمل السياسي السوري في إطار “المنصات” تكمن في أنها تنتهي بانتهاء الغرض منها (مثل جولة مفاوضات)، بينما الحزب هو كائن حي يستمر، يراكم الخبرات، ويحول الخيبات إلى دروس تنظيمية. إننا لا نحتاج لأسماء مشهورة، بل لنظم إدارية داخل أحزاب تملك “ظل حكومة” جاهز للعمل في اللحظة التي تُفتح فيها نافذة التغيير.
لذلك، فإن الانتقال من “التجمع” إلى “الحزب” ليس مسألة شكل، بل مسألة منهج. الحزب يفرض وضوحاً في الرؤية، وتحديداً في المواقف، والتزاماً بقواعد داخلية تنظم الخلاف وتمنع التفكك. كما أنه يخلق استمرارية تتجاوز الأفراد واللحظة السياسية. في مجتمع مثل سوريا، حيث تتعدد الانقسامات والضغوط، يصبح وجود أحزاب سياسية حقيقية شرطاً لتفكيك التوتر، لا تعميقه، عبر نقل الصراع من الشارع إلى المؤسسات، ومن الهوية إلى البرنامج.
بكل الأحوال هذا النقاش لا ينفي أهمية ودور التجمعات المدنية الأخرى، بما فيها ذات الصبغة السياسية، من منصات او منتديات أو مبادرات. فهذه الفعاليات والتنظيمات لها دورها وأهميتها، لكن على ضفاف العمل الحزبي السياسي، وليس العكس كما هو الحال في سوريا منذ 15 سنة.
إن بناء حزب سياسي حقيقي في ظروف الشتات أو القمع هو بحد ذاته فعل مقاومة وطنية، لأنه يجهّز الدولة للقادم، بدلاً من انتظار المجهول، فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسسات قادرة على تنفيذها.