رأي

السلفية والسياسة … والمختبر السوري

حسام ميرو

بقدر ما يبدو بسيطاً وممكناً إنشاء تعريف لمفهوم السلفية، بوصفها عودة وتقديس للماضي على حساب الحاضر والمستقبل، بقدر ما يبدو الاشتغال على فهم الظاهرة في سياقاتها التاريخية المتعددة أمراً بالغ الصعوبة، بل أن الوقوف عند التعريف على اعتبار أنه كافٍ لتوصيف الظاهرة أمر مُضلل معرفياً، وهذه عادة من يكتفون بالسطح، لأسباب متعلقة بالقصور المعرفي أو لنزعة أيديولوجية مسبقة.

لماذا تعود مجموعة بشرية ما، مجموعة صغيرة أم كبيرة، لتبني تصور قديم عن العالم، متنكرة لكل ما طرأ من متغيرات في فهم العالم؟ ولماذا تجد هذه المجموعة نفسها على حقّ في مواجهة تحولات هائلة من حولها؟ وكيف يمكن لها أن تقوم بعملية فصل بين الحداثة كفكر ومفاهيم وسياسة ونمط حياة، وبين الحداثة التكنولوجية، فتنكر الأولى وتتبنى الثانية؟

إن الصدمة الأولى والكبرى التي تلقتها المجتمعات التي انهارت فيها السلطة العثمانية، ثم وجدت نفسها في مواجهة قوى إمبراطورية استعمارية، فرنسية وبريطانية، كانت في أن التعريف القديم للذات، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من عالم الخلافة الإسلامي قد انهار، وأن المستعمر الغربي أكثر تطوراً وتقدماً وقوة منا، وقد كان لابدّ من أن يتصدى المفكرون، وهم بطبيعة الحال أبناء مجتمعات مسلمة، لعملية إعادة تعريف الذات، واشتقاق جديد لمضامين الهوية الجماعية.

سؤال: من نحن؟ ولماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الضعف والتراجع الحضاري، كان السؤال الرئيس في تأسيس ما عرف لاحقاً بـ “الحركة الفكرية السلفية”، التي نشأت على يد مفكرين معتبرين من مثل محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، ومحمد رشيد رضا، وآخرين، وقد أخذوا على عاتقهم فهم ظاهرة التخلف التي عمّت العالم الإسلامي، ويحسب لهم إدراك التخلف كظاهرة عامّة، اجتماعية تاريخية، وليس فقط كظاهرة سياسية أو اقتصادية، وهو ما دفعهم لإجراء مقارنات بين ما أصاب الفكر الإسلامي من جمود وبين الثورة الإصلاحية التي شهدها الفكر المسيحي في الغرب، بالتزامن مع صعود الرأسمالية، والمقصود هنا طبعاً المقارنة مع الحركتين اللوثرية والكالفانية.

في نظر المفكر جمال الدين الأفغاني أن الإسلام بحاجة إلى ثورة كتلك التي تمّت على يد مارتن لوثر في القرن السادس عشر، فبحسب الأفغاني أن اللوثرية تمكنت من “نقل أحوال أوروبا من الهمجية إلى المدنية”، فجوهر اللوثرية هو رفع وصاية تفسيرات رجال الدين للكتاب المقدس، وجعلها متاحة لعموم المسيحيين، أي منع احتكار التأويل لفئة محددة، هي رجال الكهنوت، وبالتالي، فتح أفق جديد في العلاقة بين الفرد وبين الدين، من خلال قراءته الخاصة للكتاب المقدس من دون وصاية مسبقة.

إذاً، كان هدف الأفغاني والطهطاوي، وغيرهما من مفكري السلفية الإصلاحية الأوائل دنيوياً بالدرجة الأولى، وليس مجرد هدف ديني محض، وهو انتقال المسلمين من حالة الضعف والسكينة والتأخر إلى حالة مدينية أرقى، تسمح لهم بامتلاك أسباب التقدم والقوة، وقد وجدوا أن إحداث الحركة اللوثرية لما يشبه القطيعة مع التأويلات المتراكبة تاريخياً للكتاب المقدس، والعودة للكتاب نفسه، بوصفه مادة قابلة للقراءة والفهم والتأويل هو الفعل المطلوب لتجاوز طبقات عديدة تراكبت فوق بعضها البعض في تأويل النص الديني الإسلامي، وأن العودة إلى النص، بعيداً عن سلطة الفقهاء التاريخية، أمر لا بد منه للمسلمين، إذا أرادوا إحداث نقلة تاريخية تقدمية في أوضاعهم الاجتماعية والعلمية والثقافية والسياسية.

بهذا المعنى المعرفي لرواد السلفية في العالم العربي الإسلامي، وبالقياس إلى مفهوم الضرورة التاريخية، يمكن اعتبار القراءة المعاصرة للقرآن التي قدمها المفكر السوري الإصلاحي محمد شحرور قراءة سلفية، أي أنها حاولت القفز من فوق ما تراكم وتراكب من اجتهادات، واعتبار أن الاشتباك مع النص المقدس، لغوياً ومعرفياً، من شأنه أن يفتح الباب أمام وعي مختلف بالنص نفسه، بما يتيح للمسلم أن يحيا من دون تناقضات كبرى بين العقل والنص، كما أنه في الوقت ذاته، فإن سلفية شحرور هي أيضاً بمعنى من المعاني قراءة حديثة وحداثية، أي أنها تنطلق من المنجز اللغوي والمعرفي لقراءة النص، كما تقرّ بأن هذه القراءة هي في خدمة الإنسان أولاً وأخيراً.

في جوهر الحركة السلفية، كما وجدت في نسختها الأولى الطليعية لدى كوكبة المفكرين الدين أتينا على ذكرهم هناك ما يمكن أن نسميه اتجاهاً عقلانياً، ويمكن القول إنه في مستوى ما علماني، كون العقلانية هي جذر رئيس في العلمانية،  أي أن هناك ثمة إقرار بأن منطلق الاجتهاد هو خدمة الإنسان، وخدمة الحياة نفسها، فإذا كان البشر وفق الاعتقاد الديني لا يستطيعون تغيير جوهر الخالق، فإن الاتجاه الذي برز لدى السلفيين المذكورين أنه يمكن تغيير وعي الإنسان بالنص الديني، لإحداث نقلة مدنية حضارية، عمرانية، طالما أن الإنسان مستخلف على الحياة والعمران، وهو مستخلف لما يمتلكه من عقل، وقدرة على اكتساب المعرفة.

إن هذا البعد المعرفي الثوري، وبما انطوى عليه من جرأة وشجاعة لدى مفكري السلفية الأوائل، شهد انحداراً كبيراً في الواقع، ونقصد واقع ما نشأ لاحقاً من حركات سلفية، وعلى الرغم أن صيغة السؤال الأساس حول الهوية وتقدم الآخر مقابل تراجع الـ “نحن” العائدة على العرب والمسلمين، بقيت حاضرة بشكل أو بآخر، لكن الإجابة عنها تحوّلت من شكل واتجاه قائمين على المعرفة، إلى أشكال واتجاهات محدودة المعرفة، أو ذات أفق معرفي ضيق.

ذهبت الاتجاهات السلفية لاحقاً نحو أشكال متعددة، بعضها منكفئ على نفسه، غير معني بالحياة الدنيا وشؤونها العامة، مكتفٍ بذاته، يدور حول التقاليد من ملبس ومأكل وعبادات ونمط علاقات، وبين سلفية تقوم على الدعوة، وسلفية تعتمد السلاح والحرب وأيديولوجية تكفيرية، وبين هذه الاتجاهات الثلاث غاب وانعدم بشكل كلي الاشتباك المعرفي مع النص والتاريخ والحياة، أو أي مقاربة عقلانية لأسباب تراجع وتخلف مجتمعاتنا إزاء استمرار تقدّم الآخر وتفوقه في مختلف المجالات، من اقتصاد ومعرفة وتكنولوجيا وقوة عسكرية وتنمية.

منذ نشأة الفكر السلفي (وهو مصطلح يحتاج إلى ضبط وتدقيق وتحديد مع كل استخدام)، لم يكن سؤال السياسة غائباً، فإذا كانت السياسة بمعنى عام هي تنظيم شؤون المجتمعات وإدارتها، وما يترتب على هذا التنظيم من نتائج، فإن السلفية عنيت بتحديد مرجعية وشرعية عملية التنظيم، ويمكن لنا أن نحدد اتجاهين أساسيين، الأول يعود إلى الماضي لقراءته من جديد، ومن منظور مختلف، ويقدم فيه اجتهاداً يعينه على التقدم، والثاني يبدأ من تقديس الماضي، لهدف شرعي خالص، وهم تحكيم الشريعة كما يعتقد أن السلف قد حددها، خصوصاً في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام.

السلفية بنسختها الجهادية التي برزت في سوريا، بعد عام 2011، لا يمكن فصلها عن مروحة واسعة عن الظروف العالمية التي ولدت فيها، وما طرأ على تلك الظروف من تحولات عديدة، ابتداءً من “تنظيم القاعدة” في أفغانستان، الذي تأسس في عام 1987، على أنقاض حركة “المجاهدين في أفغانستان”، وصولاً إلى الربيع العربي، وصعود الإسلام السياسي عموماً، وضمنه السلفية الجهادية، من دون أن نتغافل عن الاستخدام الدولي والإقليمي في وضع الجهاد السني مقابل الفصائل الشيعية المسلحة، في إطار الصراع الإقليمي مع إيران، وتوسّع نفوذها بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.

إن تحوّل السلفية الجهادية من طابع جهادي وفصائلي إلى سلطة حاكمة، وممارسة السياسة من سدة الحكم في سوريا، لا زال في ميدان الاختبار، أي اشتباكها مع الدولة والمجتمع من موقع المسؤولية، أي من موقع علماني محض هو المؤسسة، لكن الإشارات الدامغة للعام ونصف العام من حكمها تقول بإن المجزرتين الكبرتين اللتين ارتكبتا بحق المدنيين العلويين والدروز، قد تأسس في شق رئيسي منه على قاعدة التكفير، وليس على قاعدة الوعي بموقع المسؤولية الذي يفرضه موقع السلطة، كونها سلطة عمومية، وليست خصماً عقائدياً لهذه الفئة أو تلك.

لقد خرجت السلفية الجهادية من إدلب إلى دمشق، وأوصلت بقطار إقليمي – دولي إلى السلطة، لكن هذا الخروج من المساحة الضيقة التي تبلورت فيها العصبية إلى مساحة أوسع لن يكون من دون تكلفة باهظة على الجماعة نفسها، ويمكن تفسير الكثير مما ارتكبته من جرائم وأخطاء على أنه جزء من ضريبة دفعها السوريون نتيجة هذا الخروج من الحيّز الجغرافي الضيق إلى الحيّز الوطني العام.

قد لا يكون من المنطقي استباق توقّع مجمل نتائج التي ستترتب على مصير السلفية الجهادية في المختبر السوري، لكن من المنطقي بمكان القول إن واحدة من الصراعات الأساسية لن تكون موجودة فقط بين السلفية الجهادية الموجودة في ثوب السلطة وبين المجتمع السوري المتنوع فقط، وإنما بين القسم الذي بدأ يجد نفسه في رحلة لا تشبه نقطة الانطلاق، ولن يقبل بتقديم تنازلات براغماتية، وبين الذين يجدون أن ثمن البقاء في السلطة هو الخروج البطيء من ثوب الجهادية السلفية ومنطقها التكفيري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق