أخبار سورية

التقرير السياسي لشهر أغسطس/ آب 2026 …. عالم في مرحلة انتقال: حروب ممتدة وتحالفات جديدة وهشاشة سورية

في الوقت الذي تنحو فيه الحرب الأمريكية ضد إيران إلى حالة من الجمود العسكري النسبي، مع إشارات عديدة لا تستبعد طول أمد هذه الحرب، لكن بوتائر مختلفة وأساليب وأدوات لا تقتصر على الأهداف العسكرية، بقي مصير الملاحة التجارية في مضيق هرمز معلّقاً، مع استمرار التفاوض بين إيران وسلطنة عُمان، ونشوء تحالف “مكة” الدفاعي الذي يجمع بين السعودية وتركيا وباكستان.

وتشهد الحرب الروسية الأوكرانية تصعيداً من قبل الطرفين، مع تغيير كييف لقيادتها الدفاعية، وعودة روسيا إلى استهداف البنى التحتية في المدن، من قطارات ومحطات توليد الكهرباء، بالإضافة إلى استهداف أحد موانئ التصدير الأساسية للمواد الزراعية.

وفي الداخل الإيراني، أجرى المرشد مجتبى خامنئي هندسة جديدة شملت عدداً من التعيينات لشخصيات قيادية في مناصب عليا، في خطوة اعتُبرت استعداداً لمرحلة أكثر تشدداً، وأكثر قابلية لخوض صراع طويل الأمد مع واشنطن.

وإلى سوريا، أجرى نيجرفان برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، زيارة التقى خلالها أحمد الشرع، رئيس سلطة الأمر الواقع، على ضوء التطورات والمخاوف من حدوث تطورات عسكرية، بعد تزايد احتمال دخول قوات سورية إلى لبنان لقتال “حزب الله”، واحتمال دخول فصائل عراقية إلى سوريا.

أولاً- الحرب من السلاح إلى الاقتصاد

في آخر ما توصل إليه الرئيس دونالد ترامب، أن الحرب ستأخذ مساراً اقتصادياً شديداً ضد إيران، في الوقت الذي أصبحت فيه حركة العبور في مضيق هرمز شبه مشلولة، ووصلت قيادات عسكرية بارزة في الجيش الأمريكي إلى قناعة بأن مجمل بنك الأهداف العسكرية داخل إيران قد استُهدف خلال الأشهر الماضية.

لكن في الواقع العملي، أشارت تقديرات كبرى مراكز الأبحاث العسكرية إلى أن أمريكا تواجه نقصاً حاداً في مخزونات أساسية، خصوصاً الدفاعية منها، وهو ما أكده تقرير صادر عن معهد “أميركان إنتربرايز”، قال فيه إن «إعادة بناء بعض مخزونات الأسلحة قد تستغرق سنوات»، حيث كانت القوات الأمريكية قد أطلقت خلال الشهر الأول من الحملة أكثر من 850 صاروخاً من طراز “توماهوك”، وأكثر من ألف صاروخ من “باتريوت” و”ثاد”، ما أدى إلى تقليص مخزونات عدد من أهم الأسلحة الأمريكية بعيدة المدى وأنظمة الدفاع الجوي، وهو ما يعني أن واشنطن تحتاج إلى سنوات لتعويض هذا النقص.

وفي تحول لافت، بدأت تصريحات الرئيس الأمريكي وكبار قادة إدارته تركز أكثر على أن ما هو مهم بالنسبة لأمريكا هو “خفض أسعار النفط وليس السلاح النووي لإيران”، وتأتي هذه التصريحات مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية النصفية.

ثانياً- الانتخابات النصفية الأمريكية وارتدادات حرب إيران على الجمهوريين

دخلت الولايات المتحدة مرحلة أكثر وضوحاً من الاستعداد لانتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، وقد أظهر استطلاع رأي لوكالة رويترز، نُشر في الثالث من الشهر الجاري، تراجع شعبية الرئيس ترامب إلى 35%، في الوقت الذي أظهر فيه الاستطلاع أن 45% من الناخبين يفضلون مرشحاً ديمقراطياً للكونغرس مقابل 37% للجمهوريين. كما أظهر الاستطلاع أن شعبية ترامب بلغت 35%، بينما قال 42% من الناخبين المسجلين إنهم يفضلون مرشحاً ديمقراطياً للكونغرس مقابل 37% للجمهوريين.

والأهم أن الديمقراطيين تقدموا، للمرة الأولى منذ نحو عقد، على الجمهوريين في سؤال الثقة بإدارة الاقتصاد، بنسبة 37% مقابل 36%. ويرتبط ذلك جزئياً بارتفاع تكاليف الطاقة، إذ ارتفعت أسعار البنزين بأكثر من 25% منذ اندلاع الحرب مع إيران.

ومن جديد، عادت إدارة ترامب إلى فرض رسوم جديدة تتراوح بين 10% و12.5% على واردات من 60 شريكاً تجارياً، بينهم الاتحاد الأوروبي والصين، وتأتي هذه الخطوة في سياق تعزيز الحرب التجارية بين واشنطن والعديد من دول العالم، من دون تمييز بين حلفاء وخصوم، على الرغم مما تركته من آثار سلبية على نواحٍ متعددة في الاقتصاد والمعيشة في أمريكا.

ثالثاً- أوروبا: تصعيد في الحرب الروسية الأوكرانية وتضخم اقتصادي

عيّن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الجنرال ميخايلو دراباتيي قائداً للقوات المسلحة، مع تكليفه بزيادة العمليات الهجومية خلف الخطوط الروسية، وذلك في إطار التحول من استراتيجية دفاعية طويلة المدى إلى استراتيجية أكثر هجومية، بهدف استهداف البنية التحتية والطاقة في روسيا.

من جهتها، صعّدت روسيا ضرباتها ضد أهداف في العاصمة كييف، واستهدفت بنى تحتية من قطارات ومحطات طاقة، كما ضربت ميناء إسماعيل على نهر الدانوب، ما أدى إلى أضرار في البنية التحتية وانقطاع الكهرباء، واضطرت رومانيا لفترة قصيرة إلى إرسال مقاتلات بسبب اختراق جوي روسي.

وفي الوقت نفسه، طلب زيلينسكي مجدداً صواريخ “باتريوت” الأمريكية، قائلاً إن حصول أوكرانيا على 5% من المخزون الأمريكي قد يكفي لحماية المدنيين خلال الشتاء، بينما قد تمكّنها نسبة 10%، وفق تقديره، من تحييد الهجمات الباليستية الروسية.

وفي النصف الأول من الشهر الحالي، كانت الصادرات الزراعية الأوكرانية قد انخفضت بنسبة 76% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتشكل الزراعة نحو 60% من عائدات الصادرات الأوكرانية، ما يجعل استهداف الموانئ جزءاً من استراتيجية اقتصادية بقدر ما هو جزء من الحرب العسكرية.

وفي أوروبا، التي تعيش منذ سنوات على وقع الحرب الروسية الأوكرانية، بدأت تظهر ارتدادات الحرب الأمريكية ضد إيران، حيث زاد التضخم في عموم أوروبا بنسبة 2% في شهر يوليو/ تموز الماضي، متجاوزاً بذلك توقعات البنك المركزي الأوروبي.

وفي خطوة تبدو خارج السرب، عادت بلجيكا للاعتماد بشكل كامل على الغاز الروسي، في محاولة للحد من تأثيرات التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة. وأتت هذه الخطوة على الرغم من اتخاذ الاتحاد الأوروبي حزمة جديدة من العقوبات ضد روسيا في 23 يوليو/ تموز الماضي، وتشمل الإجراءات أكثر من 100 بنك ومشغل للعملات المشفرة، وأكثر من 40 سفينة مرتبطة بما يُعرف بأسطول الظل الروسي، إضافة إلى مصافٍ للنفط وأكثر من 50 كياناً في الصناعات العسكرية، مرتبطاً خصوصاً بإنتاج الطائرات المسيّرة.

وفي أزمة مفاجئة طالت إسبانيا، دخل نحو 72 ألف مهاجر إلى جيب سبتة الإسباني على الحدود مع المغرب، وأسفرت الأزمة عن وفاة نحو 75 شخصاً، وأعادت النقاش حول تشديد إجراءات إعادة اللاجئين، ومراكز اللجوء الخارجية، ومستقبل حرية الحركة داخل منطقة شنغن.

رابعاً- الشرق الأوسط: “اتفاق مكة” وهندسة الردع

وقعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 أغسطس/ آب، “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الجميع، ويشمل آليات تنسيق بين وزراء الخارجية والدفاع وقيادات الجيوش، وتدريبات مشتركة برية وبحرية وجوية وسيبرانية، إضافة إلى التعاون في المسيّرات والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا.

الاتفاق المعلن بين الدول الثلاث لا يشير إلى تعاون حديث كلياً، حيث يوجد حوالي 8 آلاف جندي باكستاني في السعودية، وسرب مقاتلات ومنظومة دفاع جوي، بناءً على اتفاق سابق، كما أن لكل واحدة من الدول الثلاث تموضعها السياسي والعسكري الخاص، بالإضافة إلى بيئتها الجيوسياسية الخاصة؛ فتركيا عضو في “حلف الناتو”، وتربطها علاقات عديدة مع إسرائيل، وباكستان لها علاقات جيدة مع أمريكا والصين وإيران، بالإضافة إلى أن الاتفاق نفسه لم يتضمن التزامات عسكرية محددة.

وفي ملف التفاوض اللبناني الإسرائيلي، زار الرئيس جوزف عون واشنطن والتقى الرئيس ترامب، على أمل إعطاء دفعة لعملية التفاوض، لكن مفاوضات روما الأخيرة اصطدمت بتعقيدات عديدة بما يخص “المناطق التجريبية” في الجنوب، بحيث تدخل القوات اللبنانية إلى مناطق محددة بالتوازي مع التحقق من خلوها من مقاتلي “حزب الله”، لكن الموقف الإسرائيلي لا يزال كما هو: لا انسحاب قبل نزع سلاح “حزب الله”، والحزب على موقفه: لا نقاش حول سلاحه قبل انسحاب الجيش الإسرائيلي.

وفي غزة، قضمت إسرائيل حوالي 65% من أراضي القطاع في نطاق ما سُمّي “الخط الأصفر”، وهو الخط الذي يفصل بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والغزيين، وتقع ضمن الأراضي المقتطعة نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية، ما يشكل كارثة إضافية لسكان القطاع. أما عن تصريحات الرئيس ترامب حول موافقة “حماس” على تسليم سلاحها، فإن واقع الأمر يشبه المأزق اللبناني؛ فإسرائيل تطالب “حماس” بتسليم سلاحها قبل أي خطوة، بينما ترفض حماس ذلك قبل أن توقف إسرائيل هجماتها، وتنسحب خارج القطاع، وتزيد المساعدات.

وفي اليمن، تعود الأوضاع الداخلية إلى التأزم، حيث يستمر الحوثيون في استهداف سفن في مضيق باب المندب، بالإضافة إلى استهداف السعودية، خصوصاً منشأة أرامكو النفطية في جازان. كما تشير الأوضاع العسكرية والأمنية إلى انهيار الهدنة الهشة الموقعة بين قوات الحوثي والقوات الحكومية في عام 2022، ما ينذر بتجدد الحرب الأهلية، في الوقت الذي تهدد فيه المجاعة أكثر من 6 ملايين يمني.

خامساً- سوريا: تصاعد الاحتقان وهشاشة المشهد الأمني والسياسي 

وقعت سلطة الأمر الواقع وروسيا مذكرة تفاهم جديدة بشأن قاعدتي طرطوس وحميميم، حيث تمنح الاتفاقية سلطة الأمر الواقع حق السيطرة على المواقع المدنية، بينما تتحول المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل، وأتت الاتفاقية بعد ترتيبات قامت بها روسيا مع كل من تركيا وإسرائيل.

ومن الناحية النظرية، فإن مذكرة التفاهم تعد مكسباً لسلطة الأمر الواقع، لكن من الناحية العملية، فإنها تعيد التأكيد على شرعية الوجود العسكري الروسي في سوريا، أي تجديد شرعية الاتفاق الذي كانت قد أبرمته روسيا مع نظام بشار الأسد المنهار.

وفي الملف الاجتماعي، تزداد الحركة المطلبية والاحتجاجات على خلفية عدد من الملفات. ففي نهاية شهر يوليو/ تموز الماضي، احتج أهالي عين منين على حفر الآبار الخاصة في تل منين، والذي أصابهم بشح في المياه، وهي أزمة قديمة متجددة، حيث إنه في مقابل 14 بئراً حكومياً تخدم مناطق التل ومنين وتلفيتا وصيدنايا، يوجد حوالي 410 آبار خاصة تتبع لشخصيات كانت مقربة من نظام الأسد، واليوم مقربة من سلطة الأمر الواقع.

وقد واجهت قوات الأمن العام احتجاجات الأهالي بالإهانة واعتقال الشباب وضرب العديد منهم بأعقاب البنادق، وقد استقال المجلس البلدي لعين منين في بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وشهدت عودة مهجري سري كانيه “رأس العين” من الأكراد إلى بيوتهم حوادث اعتراض من قبل ساكني الكثير من هذه البيوت، مع تضارب الروايات حول تعرض عائدين أكراد لهجوم من مسلحين عشائريين. وقد تطورت الأوضاع إلى احتجاجات شهدتها مدينة القامشلي ضد سلطة الأمر الواقع، حيث تكشف هذه الحادثة ما هو أبعد منها على الجانبين السياسي والإداري في عملية الاندماج بين قوات “قسد” وسلطة الأمر الواقع.

وأمنياً، شهدت جرمانا حادثاً إرهابياً، حيث وُضعت عبوة ناسفة في ميكروباص للنقل العام، ما أوقع قتيلين وعدداً من الجرحى. وأتى الحادث بعد فترة قصيرة من استفزازات حدثت تجاه سكان المدينة من قبل “مؤثرين” على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد وجهت جهات مقربة من “السلطة” الاتهام إلى “جماعة الهجري”، كما صدر بيان بتبني العملية من جهة تسمى “أنصار الرسول”.

لكن، بغض النظر عن الجهة المنفذة، فإن الحادثة تكشف فعلياً حجم الهشاشة الأمنية في العاصمة دمشق، التي شهدت في الأشهر الأخيرة عدداً من التفجيرات، تزامن اثنان منها مع زيارة الرئيس الفرنسي.

سادساً- رأي الحزب: 

يدخل العالم، ومعه الشرق الأوسط، خطوة أوسع نحو إعادة صياغة النظام الدولي وفق موازين القوة التي تظهر حدود القوة العسكرية الأمريكية في الميدان، وهو ما كشفته حربها ضد إيران. وبناءً على قراءة المستجدات، يخلص الحزب إلى الاستنتاجات التالية:

1- مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، تسعى إدارة ترامب إلى تخفيض أهدافها من الحرب ضد إيران، بما ينسجم مع ضرورات الناخب الأمريكي: أسعار الطاقة، والحد من التضخم، واستقرار الأسواق، خصوصاً أن استطلاعات الرأي تبرز تقدماً للديمقراطيين الذين استثمروا في إخفاق ترامب والجمهوريين في الحرب ضد إيران.

2- الخطوة البلجيكية في العودة إلى الاعتماد الكامل على الغاز الروسي تعطي مؤشراً على حجم التباينات الأوروبية، خصوصاً مع طول أمد الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد تفاقم أزمات الطاقة والأسواق عقب الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يدفع دولاً أوروبية أخرى إلى إعادة الاعتماد على الغاز الروسي.

3- يأتي “اتفاق مكة” ليبرز بشكل قوي مخاوف السعودية من ازدياد هيمنة إيران، خصوصاً في مضيق هرمز، وتحويل هذا النفوذ إلى وقائع ومكاسب استراتيجية في منطقة الخليج والإقليم.

4- على الرغم مما تركته حربا غزة ولبنان من آثار كارثية وغير إنسانية على أهالي غزة ولبنان، فإن إسرائيل نفسها تبدو بلا استراتيجية واضحة في الملفين، في الوقت الذي لم يتبق فيه سوى حوالي شهرين على الانتخابات البرلمانية.

5- تظهر مجمل الأوضاع السورية تعقيدات عديدة في مختلف الملفات، فقد أظهرت حالة عودة المهجرين الكرد إلى بيوتهم حجم التناقضات في الاتفاق المبرم بين “قسد” وسلطة الأمر الواقع، والقابلة للانفجار في أي وقت وبأكثر من طريقة، خصوصاً أن قسماً كبيراً من السوريين الكرد يجد أن القيادات “الكردية” قدمت تنازلات كبيرة في مختلف الملفات، متراجعة عن الشعارات التي كانت قد طرحتها في السنوات السابقة، خصوصاً اللامركزية.

وبالنسبة إلى الخلاف حول حفر الآبار، فهو يظهر جهل سلطة الأمر الواقع بخطورة هذا الملف وكيفية معالجته، خصوصاً أن ملف المياه أحد أخطر الملفات في الحالة السورية.

6- إن احتجاجات أهالي منين وأهالي برزة وجوبر في ملفات المياه والبناء تظهر مستوى الاحتقان الشعبي من ممارسات سلطة الأمر الواقع، التي تستمر في سلوكها الأمني المتبع منذ استلامها الحكم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق