رأي

نحو نقاش حول التنظيم السياسي الوطني الديمقراطي

 يوسف فخر الدين

لسنوات قبل الموجات الديمقراطية التي أُطلق عليها اسم “الربيع العربي” كانت الأوساط العلمانية في المنطقة تفيض بانتقاد المؤسسات، وغياب الديمقراطية والشفافية فيها، سواء كانت مؤسسات دولة أو مؤسسات معارضة. وكانت الأيديولوجيات العلمانية الكبرى، القومية والشيوعية، قد فقدت جاذبيتها وأدت بعض محاولات تجديدها عبر إدخال الديمقراطية فيها إلى مزيد من انكشاف عوارها، وعجزها عن تمثلها، ما أدى إلى مزيد من انفضاض الشباب عنها لتركيزهم على الديمقراطية والمشاركة السياسية، هذا إن لم يفقدوا اهتمامهم بالعمل العام نتيجة فشل هذه الأيديولوجيات، وعجز قواها عن التطور، دون أن يفقدوا علمانيتهم.

أما في المجتمع فازداد التدين، فبيوت الدين كانت مكان اليقين في عالم يزداد قسوة، وفيها إمكانية الاجتماع والشكوى لله من دون التعرّض للاعتقال في بلد يُعتقل فيه كل اجتماع خارج ما يجمع النظام الحاكم الناس عليه لتقديسه وشكره على نعمه، في وقت لم يكن فيه رجال الدين هم السلطة.

ما يهمنا في سياقنا هو أن تراجع الثقة بإمكانية إصلاح التنظيمات السياسية القديمة، وتراجع الاعتقاد بصحة أيديولوجياتها جزئياً أو كلياً، وغياب إمكانية بناء جديد على هذين الصعيدين، أي التنظيم السياسي التقليدي وأيديولوجيته التقليدية، أنتج أفكاراً أولية عن إمكانية العمل من أجل الديمقراطية دونهما (أفكار تطورت عند اتجاه ليبرالي عشية الربيع العربي لتصبح أيديولوجيا تقول بانتهاء الحاجة للأحزاب وأيديولوجياتها)، ما ساهم في تمكين منظمين شباب ديمقراطيين بعلاقات شبكية، مستفيدين من ثورة الاتصالات، من التأثير على قطاع واسع من الشباب المتفاعل معهم، مشكلين معاً موجات ثورية مطالبة بالديمقراطية والمشاركة السياسية. وهو ما تلقى دعماً حاسماً من أجهزة إعلام لجهات لها مصلحة بالتغيير، وتحديداً إن استطاعت دفعه لسيطرة الإسلاميين المرتبطين بها.

وإذ نركز اهتمامنا على الجانب التنظيمي دون سواه من مستويات، نجد أن هذا العمل التشبيكي، مدعوماً من المجتمعَين السياسي والمدني، استطاع أن يصل في تونس ومصر إلى تغيير في رأسي النظامين، ليتوقف عند هذا الحد دون أن يضع لنفسه هدف إنشاء نظام سياسي جديد ديمقراطي يضمن السيرورة الديمقراطية. وهو ما أدى إلى حصول ثورتين مضادتين في مصر، واحدة قام بها الإخوان المسلمون للاستئثار بالدولة، والأخرى قامت بها الدولة العميقة لاستعادة النظام المثار عليه مستفيدة من الإحباط الناتج عما فعله الإخوان المسلمون. وما يشبه ذلك، وإن كان أخفّ حدّة، في تونس، حيث كان الإسلاميون أقلّ اندفاعاً نحو الاستئثار، لكنهم واجهوا بنية علمانية أقوى في الدولة والمجتمع، وجدت أن العودة عن حكمهم خيارها، وإن كانت عودة عن الديمقراطية.

أما في باقي الدول التي عرفت الانتفاضات الثورية فقد فقدت الشبكات الشبابية زمام الأمور، ودخلت البلدان في حروب أهلية تقاسمت فيها السيطرة ثورتان مضادتان متحاربتان، إحداهما من بقايا الأنظمة القائمة والأخرى من الإسلاميين.

وفي كلتا الحالتين تبيّن أن العمل الشبكي يمكن أن يقود فعاليات انتفاضية ثورية طالما أن الدولة قائمة، فإن تراجعت سيادتها عبّأت القوى الأكثر تنظيماً ودعماً خارجياً الفراغ الحاصل. وهو ما فعلته القوى الإسلامية في هذه البلدان نتيجة ضعف القوى العلمانية الديمقراطية، ثم قامت بسحق من رفض أن يُطوّع من الشبكات الشبابية الديمقراطية، واستخدمت من قبل ذلك، وادعت أنها هي نفسها “الثورة”.

وهو ما حصل تماماً في سوريا، حيث كانت لحظة النهاية الرمزية لهذه الشبكات هي اختطاف القادة الثوريين الأربعة (رزان زيتونة، وائل حمادة، سميرة الخليل، ناظم حمادي) في الغوطة الشرقية، كإعلان من الثورة المضادة الإسلامية أنها لم تعد تطيق وجود رموز الانتفاضة الثورية التي اغتصبت اسمها، كون بقائها يفضح زيف ادعاءاتها. مع العلم أنه كان قد سبق هذه النهاية الرمزية حربٌ من قبل النظام المثار عليه والثورة المضادة الإسلامية على الشبكات الثورية الديمقراطية، حتى باتت جزراً محاصرة.

وقبل الانتقال إلى الاستنتاجات من الواجب علينا ذكر محاولات جمّة من قبل ناشطين/ات في الشبكات الشبابية الثورية لتطوير تنظيمهم/ن لأنفسهم/ن اصطدمت بموانع، ليس أقلها أهمية الدور المدمّر للتحالف الذي تشكّل تحت عنوان “المجلس الوطني السوري” و”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” وسيطر عليهما الإخوان المسلمون، والتيار الأيديولوجي المعادي للأحزاب وأيديولوجياتها الذي استبدل التنظيم السياسي بـ “الشلل” والمريدين، وأيضاً ممانعة فاعلين مستقلين مدعومين من أطراف خارجية نتجوا عن هذا المسار، باتوا يعتقدون أن نشوء أحزاب وحركات سياسية جديدة سيضعف أدوارهم. عداك عن أنه لا يوجد طرف من الأطراف الخارجية المتداخلة في الصراع في سوريا وعليها بدا له مصلحة بإنتاج مثل هذه التنظيمات الديمقراطية الاستقلالية. وبالنتيجة، ومع غيرها من أسباب، كانت محاولات العمل التنظيمي الوطني الديمقراطي العلماني ضعيفة، مهما حاول روّادها بذل من جهود.

وهو الحال الذي وجدنا أنفسنا عليه عند انهيار سلطة الأسد، وما تبقى من مؤسساتها السيادية، حيث هناك ديمقراطيون كثر من دون رغبة بالانتظام سوياً ليكونوا قوى مؤثرة على مسار بناء الدولة. الأمر الذي انعكس سلباً على نتائج محاولات ما تبقى من قوى معارضة ديمقراطية للتحالف من أجل التأثير في مسار بناء الدولة الجديدة. في الوقت الذي تحاول السلطة الإسلامية الجديدة إحباط هذه المساعي، إن برفض إصدار قانون ديمقراطي للأحزاب السياسية، أو بحملات تشهير منظمة ضدها، كما حصل مع الحزب الدستوري (حدس)، أو برفضها والإصرار على دفع السوريين باتجاه “المشيخيات” التي تعظّم من شأنها إن وافقتها أو خالفتها، حيث لا تقبل غيرها حتى الآن ممثلاً للناس لتفاوضه.

بالنتيجة نجد أنفسنا في محنة وطنية لا يمكن الاستجابة لتحدياتها من دون العمل الحزبي المنظم، وإن لم يكن وحده بالتأكيد. فالسياسة عالمياً لا تجري من دون قيادة الأحزاب لها، وما حصل وتم تضخيمه هو دخول الفرد على خط العمل السياسي كلاعب منفرد بفضل ثورة الاتصالات، أو عبر شبكات مجتمع مدني. وهو ما يستوجب دراسة جماعية له من الفاعلين السوريين، تستدعي نقد الأيديولوجيا المعادية للأحزاب، وبناء تصور ديمقراطي للعمل السياسي تلعب فيه الأحزاب الديمقراطية دورها الوظيفي، مشروطة بالديمقراطية والشفافية والعلنية، ويشارك فيه المجتمع المدني حسب اهتمامه، وتطبع الصحافة الحرة الديمقراطية والمهنية فيه كسلطة رابعة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق