أخبار سورية

محاولة لفهم السلفية المعاصرة!

أحمد الرمح

السلفية المعاصرة هي مسارٌ متشدد في التعامل مع الدين، حيث تقوم السلفية باختلاف مدارسها على استدعاء الماضي إلى الحاضر، لتحيا به كنمطِ حياةٍ معاشي من جهة، وكأسلوبٍ في فهمِ الإسلام من جهة أخرى.

إذن هي ليست عودةً إلى الماضي كما يظن كثيرون، لا. إنما هي استدعاء للماضي، ليكون حَكَماً على الحاضر، بأسلوب معاشي يماثله، وطريقةِ تفكيرٍ تحاكيه، وهذا الاستدعاءُ الماضوي للتاريخ، يجعل السلفيةَ المعاصرة تستقي من أحداثِ الماضي حلولاً لوقائع عصرنا.

كيف نفهم السلفية المعاصرة:

حتى نفهمَ الظاهرةَ السلفية، يجب أن نفككها ثم نركبها، وعندما نفكك السلفيةَ المعاصرة سنجد بأنها تتكون من عناصر ثلاثة تمدّها بالوجود، هذه العناصر هي: نص نبوي + شخصيات + ماضي = السلفية المعاصرة.

أولاً- النص النبوي:

أما النص النبوي، فهي تعتمد على الحديث النبوي في فهمها للإسلام، وتقديمه والتعبير عنه، تسمع ساعة للسلفي وهو يخطب 99% من أدلته أحاديث، وكما نعلم أن السنة النبوية 99% منها أحاديثُ آحاد ظنيةُ الثبوت. وأما المتواتر فيها فلا يتعدى عشرين حديثاً، فلا يمكن عقلاً واعتقاداً، أن يُبنى دينٌ أو منهج على دليل ظني، وهذا الظن من حيث الشريعة فهو قابل للشك بوصفه ظنياً.

وكذلك بالنسبة للاعتقاد، فالظن لا يمكن أن تُبنى عليه عقيدة، لأن العقيدة ليست اجتهاداً ظنياً إنما هي يقينٌ ثابت، قائمٌ على نصٍ قطعي الورود والدلالة.

وحتى هذه الأحاديث الممنوع الاقتراب منها سلفياً بالنقد اليوم، كانت في عصر الصحابة محلَّ نقد وتمحيص، بحيث لا تخالف نصاً قرآنياً، ولا تخالف أيضاً نصاً نبوياً أقوى حجةً منه، ولا تخالف كذلك المنطقَ العقلي. وهذا ما فعلته أمُنا عائشة وغيرُها من الصحابة الأوائل في ردّ أحاديثَ نُسِبت للنبي، وكذلك كان منهجَ الإمامين أبي حنيفة ومالك في التعامل مع الأحاديث، فكيف نقدس أو نتعبّد بحديث ظني، أو مُخْتلفٍ فيه، أو مخالفٍ للقرآن الكريم؟

وإذا قبلنا حديثاً ما في مكارم الأخلاق، هذا لا يسمحُ بقبول حديث ظني في التشريع والاعتقاد. لكن السلفيةْ المعاصرة، تعاني من خوفٍ مرضي ووسواسٍ ديني، إذ تعتقد أن نقد الحديثَ النبوي، ليس إلاّ مقدمة لهدمِ بنيان الدين، وبنقد الحديث سيتهاوى الدينُ كلُه، وحتى يخرجوا من أزمة تعارضِ الأحاديث مع القرآن، جاءوا بفِرية عظيمة تقول: السنة قاضية على القرآن، وهذا الاعتقاد ناتج عن عدم ثقة بالدين أساساً.

والأهم في هذا الخوف المرضي، أنها تعتقد بأن نقد الحديثِ المنسوب للنبي كرواية قابلة للخطأ والصواب، هو هدم للعنصر الثاني الذي تقوم عليه السلفية المعاصرة المتمثل بالشخصيات أي الرجال.

ثانياً- الشخصيات:

إذن العنصر الثاني في تركيب ظاهرة السلفية هو الرجال. وهم مجموعة ذكورية تنتمي إلى القرون الثلاثة الأولى، أُطلق عليهم اسمُ السلف الصالح، أولهم الصحابة ثم التابعون ثم تابعو التابعين وصولاً إلى منتصف القرن الهجري الثالث الذي تم فيه التدوين إسلامي.

لكن هؤلاء السلف مع احترامنا لهم، لم يكونوا على مستوى فهم واحد، ولا على رأي واحد، بل تخاصموا سياسياً، وتشكّلوا في فرق مذهبية بسبب الخلافات على السلطة، وبعضُهم قتل بعضَهم الآخر، كما أن تعريفَ الصحابي تعريفٌ غيرُ مستقيم واقعياً ولا علمياً، ويحتاج إلى إعادة نظر، فلا يُعقل أن مجرد رؤية النبي ولو للحظات، أو أيام تمنح صاحبها لقبَ صحابي، هذا من جهة،  ومن جهة أخرى كيف لمن حمل سيفه على صحابي آخر، واستحل دمه، أو ثَبَتَ كذبه على النبي أن يكون عدلاً، ونتيجة فرض المفهوم السلفي لمعنى الصحابي، وصلنا إلى كوميديا سوداء، ففي دمشق هناك قبر كُتب عليه: هذا قبر الصحابي حِجر بن عدي رضي الله عنه، قتله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، لأنه يحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه! فتأمل يا رعاك الله.

ولكنْ حتى لا تُنتقد صنميةُ الصحابة منحوها هالةً قدسية، فقالوا: إن الصحابةَ كلَهم عدولٌ ثِقاتٌ. مستعيرين هذه الفكرة من الشيعة الذين قالوا بعصمة الأئمة، وهذا اعتقادٌ يمنح العصمة والقدسية لبشر لا يقول به عاقل، وحتى يشرعنوا عدالةَ الصحابة نسبوا قولاً للنبي: “خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”.

وبهذا القول نصل إلى العنصر الثالث، ونحن نحاول فهم السلفية المعاصرة. وهو الماضي.

ثالثاً- الماضي:

الاعتقاد السلفي المعاصر يرى بأن الماضي أي تاريخَ الإسلام، هو الأنقى والأمثل للمعرفة الإيمانية وهو خير القرون، لكن التاريخ يقول لنا غير هذا، يقول لنا: إن أسوءَ الحروب الأهلية في تاريخ الإسلام، وأكثرَ ضحاياها كانت في القرن الأول كاغتيال الخلفاء الراشدين، وحروب الردة، ومعارك علي ومعاوية، وصراع علي والخوارج، وحروب الأمويين مع خصومهم، وواقعة الحَرَّة التي استباحوا فيها مدينة رسول الله ثلاثة أيام، واغتصبوا فيها بنات المدينة، حتى كان المدني إنْ زوج ابنته بعد الحَرَّة، لا يشترط عذريتها.

وفي القرن الأول أيضاً حاصر الحجاج الثقفي مكة فأصابها جوع شديد، ثم ضربها بالمنجنيق فهدم الكعبة، وقتل عبدَ الله بن الزبير وصلبه. وذبح أبو العباس السفاح مؤسسُ الدولة العباسية بني أمية، ثم أمر جنوده بنبش قبور الأمويين، وبسبب تلك الحروبِ والصراعاتِ لم يتفق المسلمون حتى يومنا هذا، فكيف تكون تلك القرونُ خيرَ قرون.

كما أن هذه الماضوية تذهب بعكس المراد القرآني، إذ إن القرآن الكريم ذم الآبائية التاريخية ومدح المستقبلية، ففي الصراع الآبائي / الأبنائي انحاز القرآن للأبناء أي المستقبل لا للتاريخ: “وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا”.

مشكلةُ السلفيةِ المعاصرة أنها جعلت تاريخَ الإسلام ديناً، ونقدَ التاريخِ الإسلامي عندهم زندقةً، ونتيجة تقديسِ العناصر الثلاثة سلفياً، الحديث النبوي والرجال والتاريخ، عاشت السلفية عزلة شعورية مع الماضي رافضةً المعاصرة.

ثم صنعوا مجتمعاتٍ موازية ماضوية، فميزوا أنفسهم بالشكليات، حيث أصبح لهم زيّاً محدداً نساءً ورجالاً يميزهم عن الآخرين في المجتمع، كاللحية والثوب القصير والسواك للرجال، والجلباب الأسود للنساء، لكن الحداثة وأدواتِها المعرفية، وضعتهم في مأزقِ المعاصرة فكيف يخرجون منه؟

في البداية رفضوا الحداثةَ معرفياً وتكنولوجياً، ولكون الحداثةْ وصلت للأفراد والبيوت، وجدوا الحلَ بأن يأخذوا منها التكنولوجيا ويرفضوا منها المعرفة، فهم شطروها إلى شطرين وقالوا شطر نتعامل معه خدمةً لنا، كالأنترنت والموبايل واللابتوب ومواقع التواصل الاجتماعي لنشر أفكارنا وندعو سبحان من سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وأما الشطر المعرفي فنرفضه لأنه تَشَبّه بالكافرين، ورفض المعرفة الحداثية له ما وراءه، فلو قبلوا بالحداثة سيقبلون بأدواتها، ومن أدواتها الديمقراطية والعلمانية، لذلك حتى يشيطنوا الديمقراطية والعلمانية قالوا بأنها كفر.

فالديمقراطية لا تقوم على السمع والطاعة كما في منهجهم، إنما على الحوار والجدل، وهذا ممنوع عندهم، كما أن الديمقراطية تعني تداولَ السلطة والتنافسَ عليها، وهم عندهم بيعةُ ولي الأمر أبديةٌ حتى موته. والعلمانية فصل الدين عن الدولة وعدم تسيس الدين. وبالتالي الحل لقطع السبيل على أدوات الحداثة المعرفية قالوا بأن الديمقراطية والعلمانية كفر وشرك.

ثم انقسمت السلفية اليوم إلى سلفيات: السلفية العلمية والمدخلية والحركية والسرورية والسلفية الجهادية، وهي تكفر بعضُها بعضاً، وكل طرف يرى نفسه الطائفة المنصورة والفرقة الناجية يوم القيامة، ومفهوم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية كذبة، لأن القرآن يؤكد في كل آياته، أن الحساب يوم القيامة فردي: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) والعمل الدنيوي مؤسساتي جمعي، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود.

وخلاصة القول إن السلفية المعاصرة كانت خطراً على الإسلام، وغدت اليوم خطراً على سوريا، وكل سلفي هو مشروع داعشي نائم يستيقظ حين فوضى. ولا يمكن أن تجدَ إطلاقاً راياتِ السلفية السود فوق مبنى للبحث العلمي أو أكاديمية علمية أو منظمة إنسانية أو جامعة للعلوم الإنسانية، إنما حيثما تكون راياتُها السود يكون الخرابُ، والدمار، والتهجير، والتفجير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق