الياس مرقص … الراهن أبداً في مستقبل الفكر والسياسة السوريين

في وقت كانت فيه الأحزاب الشيوعية، وكثر من المفكرين والمثقفين، مأخوذين بالنمط السوفيتي، وأرضيته الماركسية الستالينية، كان الياس مرقص يمضي شخصاً وفكراً نحو بناء قطيعة مع هذا النموذج ومع الستالينية، وربما في الوقت ذاته، كان الفكر القومي يجتاح الشارع العربي، مع المشروع الناصري، كان الياس مرقص سبّاقاً إلى نقد هذا الفكر، مدشناً قطيعة أخرى مع استخدام المفاهيم بطريقة ببغائية، لا علاقة لها بالتفحّص المعرفي، أو بتفحّص علاقة المفاهيم بالواقعين التاريخي والعياني.
سمحت له دراسته المبكرة لعلم التربية في جامعة بروكسل الحرة، واتقانه الفرنسية، الاطلاع المبكر، بل والاشتباك مع مصادر معرفية متعددة، وفلسفات عديدة، وبنى شخصيته الفكرية مبكراً انطلاقاً من ضرورة الانخراط في مشروع نقدي واسع، مشروع لا يقدس النظريات، ولا الكلمات، ولا البنى، ويمنح الوعي / العقلانية الأولوية على كل ما سبق، خصوصاً أنه كان يعتبر أن العرب ترجموا مفهوم الوعي / الوعيانية إلى العقلانية.
من نقد الأيديولوجيا إلى تأسيس الاستقلال:
أحد أهم مفاتيح قراءة مرقص اليوم هو مفهومه الجذري للاستقلال. لم يكن الاستقلال عنده شعاراً سياسياً أو مطلباً سيادياً مجرداً، بل كان قبل كل شيء استقلالاً في الوعي. استقلال الفرد، الحزب، والمجتمع عن كل أشكال التبعية، الفكرية، والسياسية، والتنظيمية.
منذ عام 2011، عاد الياس مرقص، أو استُعيد في كتابات سورية عديدة، في بلد انفجرت بناه الاجتماعية والوطنية، مع مشاريع إقليمية ودولية، جعلت الاستقلال في الرأي السياسي أمراً يشبه المستحيل، على ضفتي النظام والمعارضة، وحيث أصبحت الكلمات / المفاهيم عدة أيديولوجية في الصراع، لا يختلف مفعولها القاتل عن الأسلحة الفتاكة، وحيث أصبحت السياسة بلا عقل أو عقلانية، أي بلا أدنى استقلالية.
ضد اللغة الكاذبة – نحو استعادة الواقع:
من أكثر ما يبدو راهناً في فكر مرقص نقده للغة السياسية العربية. تلك اللغة التي تتحول إلى طقوس، إلى تكرار أجوف لمفاهيم مثل “الإمبريالية”، “البرجوازية”، “الثورة”، من دون صلة حقيقية بالواقع، والأسوأ أنها تتحول إلى ستار يمنع رؤية الواقع.
أليست هذه هي بالضبط لغة السياسة السورية اليوم؟ لغة شعاراتية، رمزية، منفصلة عن التجربة الحية للناس. لقد أدرك مرقص مبكراً أن اللغة ليست أداة بريئة، بل قد تصبح أداة اغتراب وكذب جماعي. ومن هنا دعوته إلى لغة جديدة، قريبة من الواقع، من الناس، من التجربة الملموسة.
إن إعادة بناء السياسة السورية تمر، في أحد وجوهها، عبر إعادة بناء لغتها.
تفكيك الماركسية الزائفة – واستعادة التاريخ الحي:
خاض مرقص معركة مزدوجة، مرة ضد الماركسية الستالينية التي حوّلت النظرية إلى عقيدة جامدة، ومرة أخرى ضد القراءات السطحية التي تختزل التاريخ في صراع طبقات مجرد، وكان يرى أن “الاقتصادوية” ليست الماركسية، بل نسختها المشوهة والمضلِلة (بكسر اللام).
هذه المعركة تبدو اليوم شديدة الراهنية، ليس فقط في سياق نقد اليسار التقليدي، بل في سياق أوسع: نقد كل الأيديولوجيات التي تستبدل الواقع بمفاهيم جاهزة. لقد أصر مرقص على أن التاريخ ليس نموذجاً يُطبّق، بل تجربة تُفهم في خصوصيتها.
في الحالة السورية الراهنة، ومع محاولة تطبيق نموذج إسلامي سلفي، بعيداً عن فهم مشكلات وخصوصيات المجتمع السوري، أو حتى فهم قدرة هذا النموذج على الاندماج الحضاري في العالم، فإنه لا غنى عن الاتجاه الذي أسسه الياس مرقص، اتجاه نقد الأيديولوجيا والنموذج انطلاقاً من معيار المطابقة مع احتياجات الواقع أو عدمها.
من الانحدار إلى الإمكان – أفق الجبهة الوطنية الديمقراطية:
ربما يكون أكثر ما يثير الدهشة في فكر مرقص هو تحليله الاستشرافي لمسار سوريا. فقد رأى أن المستقبل سيتأرجح بين قطبين: استمرار الانحدار، أو نشوء جبهة وطنية ديمقراطية تقود إلى نظام قانوني حديث.
هذا التصور يبدو اليوم كأنه كُتب للواقع السوري الراهن. فمسار الانحدار تحقق بأقصى درجاته: تفكك الدولة، صعود الهويات ما قبل الوطنية، تآكل الاقتصاد، وهيمنة العنف، وسلطة دينية سلفية.
لكن القطب الثاني – رغم ضعفه – ما يزال ممكناً. وهنا تكمن راهنية مرقص: في تأكيده أن التمسك بهذا الأفق ليس وهماً، بل شرط لإمكانية الخروج من الانحدار ذاته.
إن “النظام الوطني الديمقراطي” عنده ليس شعاراً أيديولوجياً، بل برنامجاً واقعياً، يتمثل بدولة قانون، وحريات عامة، واقتصاد منتج، ومجتمع مواطنين لا رعايا.
الفلسفة بوصفها شرطاً للسياسة:
في مرحلته الأخيرة، عاد مرقص إلى الفلسفة، لا هروباً من السياسة، بل تعميقاً لها. أدرك أن أزمة العالم العربي ليست فقط أزمة أنظمة، بل أزمة وعي. وأن غياب المفهومية، وسيادة التفكير الشيئي والرمزي، هو ما يعطل إمكان الفعل.
وهذا ما نلمسه اليوم بوضوح العجز عن إنتاج مفاهيم سياسية حديثة، في الخلط بين الدولة والسلطة، بين الشعب والطائفة، بين الثورة والعنف.
إن استعادة مرقص اليوم تعني، في أحد معانيها، إعادة الاعتبار للفلسفة بوصفها أداة لتحرير السياسة من جمودها.
مرقص كمستقبل مفتوح:
ليس إلياس مرقص مفكراً يُستعاد بوصفه تراثاً، بل بوصفه أفقاً. إنه ليس جواباً ناجزاً، بل سؤال دائم. ليس نظرية مغلقة، بل تمرين مستمر على النقد.
في زمن الانهيار السوري، حيث تتفكك المعاني، يصبح مرقص أكثر من مجرد مفكر، يصبح ضرورة لإعادة تأسيس العلاقة بين الفكر والسياسة، بين النظر والعمل، بين الإنسان والتاريخ.
ربما كان قوله الأثير – الذي لم يكتمل في النص – يشير إلى انتمائه إلى الإنسان بوصفه مشروعاً مفتوحاً. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم: فكر ينتمي إلى المستقبل، لا إلى الماضي، إلى الإمكان، لا إلى التبرير.
إلياس مرقص، بهذا المعنى، ليس ذكرى. إنه احتمال.